بَاب التِّجَارَةِ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ وَالْبَيْعِ فِي أَسْوَاقِ الْجَاهِلِيَّة
بَاب التِّجَارَةِ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ وَالْبَيْعِ فِي أَسْوَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ 1770 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : كَانَ ذُو الْمَجَازِ وَعُكَاظٌ مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التِّجَارَةِ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ وَالْبَيْعِ فِي أَسْوَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ ) أَيْ : جَوَازِ ذَلِكَ ، وَالْمَوْسِمُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْلَمٌ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ النَّاسُ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ ، وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ أَسْوَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ اثْنَيْنِ وَتَرَكَ اثْنَيْنِ سَنَذْكُرُهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ .
قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنِ الْمَنِيعِيِّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : كَذَا فِي كِتَابِي وَعَلَيْهِ صَحَّ . قُلْتُ : وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ كَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ ، فَإِنَّ حَدِيثَ ابْنِ الزُّبَيْرِ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْهُ وَهُوَ أَخْصَرُ مِنْ سِيَاقِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وكَذَلِكَ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ . قَوْلُهُ : ( كَانَ ذُو الْمَجَازِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَفِي آخِرِهِ زَايٌ وَهُوَ بِلَفْظٍ ضِدَّ الْحَقِيقَةِ ، وَعُكَاظٌ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَفِي آخِرِهِ ظَاءٌ مُشَالَةٌ ، زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُمَرٍو كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ وَفِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ وَمَجِنَّةُ وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ .
قَوْلُهُ : ( مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) أَيْ : مَكَانَ تِجَارَتِهِمْ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَمَّا ذُو الْمَجَازِ فَذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهَا كَانَتْ بِنَاحِيَةِ عَرَفَةَ إِلَى جَانِبِهَا ، وَعِنْدَ الْأَزْرَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ كَانَ لِهُذَيْلٍ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ عَرَفَةَ ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْكِرْمَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ بِمِنًى وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَبِيعُونَ وَلَا يَبْتَاعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِعَرَفَةَ وَلَا مِنًى ، لَكِنْ سَيَأْتِي عَنْ تَخْرِيجِ الْحَاكِمِ خِلَافُ ذَلِكَ . وَأَمَّا عُكَاظٌ فَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهَا فِيمَا بَيْنَ نَخْلَةَ وَالطَّائِفِ إِلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهُ : الْفُتُقُ ، بِضَمِّ الْفَاءُ وَالْمُثَنَّاةُ بَعْدَهَا قَافٌ ، وَعَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ : أَنَّهَا كَانَتْ وَرَاءَ قَرْنِ الْمَنَازِلِ بِمَرْحَلَةٍ عَلَى طَرِيقِ صَنْعَاءَ ، وَكَانَتْ لِقَيْسٍ وَثَقِيفٍ . وَأَمَّا مَجِنَّةُ فَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : أَنَّهَا كَانَتْ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ إِلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ : الْأَصْغَرُ ، وَعَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ : كَانَتْ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ عَلَى بَرِيدٍ مِنْهَا غَرْبِيَّ الْبَيْضَاءِ وَكَانَتْ لِكِنَانَةَ ، وَذَكَرَ مِنْ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَيْضًا : حُبَاشَةَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةَ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ مُعْجَمَةٌ ، وَكَانَتْ فِي دِيَارِ بَارِقٍ نَحْوُ قَنُونَى بِفَتْحِ الْقَافِ وَبِضَمِّ النُّونِ الْخَفِيفَةِ وَبَعْدَ الْوَاوِ نُونٌ مَقْصُورَةٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى جِهَةِ الْيَمَنِ عَلَى سِتِّ مَرَاحِلَ ، قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ السُّوقَ فِي الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ مَوَاسِمِ الْحَجِّ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تُقَامُ فِي شَهْرِ رَجَبٍ ، قَالَ الْفَاكِهِيُّ : وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْأَسْوَاقُ قَائِمَةً فِي الْإِسْلَامِ إِلَى أَنْ كَانَ أَوَّلُ مَا تُرِكَ مِنْهَا سُوقَ عُكَاظٍ فِي زَمَنِ الْخَوَارِجِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، وَآخِرُ مَا تُرِكَ مِنْهَا سُوقَ حُبَاشَةَ فِي زَمَنِ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى الْعَبَّاسِيِّ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ .
ثُمَّ أَسْنَدَ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّ كُلَّ شَرِيفٍ كَانَ إِنَّمَا يَحْضُرُ سُوقَ بَلَدِهِ إِلَّا سُوقَ عُكَاظٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَافَوْنَ بِهَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، فَكَانَتْ أَعْظَمَ تِلْكَ الْأَسْوَاقِ . وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُهَا فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ . الْحَدِيثَ فِي قِصَّةِ الْجِنِّ ، وَقَدْ مَضَى فِي الصَّلَاةِ وَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ .
وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي : كِتَابِ النَّسَبِ مِنْ طَرِيقِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ : أَنَّهَا كَانَتْ تُقَامُ صُبْحَ هِلَالِ ذِي الْقَعْدَةِ إِلَى أَنْ يَمْضِيَ عِشْرُونَ يَوْمًا ، قَالَ : ثُمَّ يُقَامُ سُوقُ مَجِنَّةَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ إِلَى هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ ، ثُمَّ يَقُومُ سُوقُ ذِي الْمَجَازِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ يَتَوَجَّهُونَ إِلَى مِنًى لِلْحَجِّ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِثَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْمَوْسِمِ بِمَجِنَّةَ وَعُكَاظٍ يُبَلِّغُ رِسَالَاتِ رَبِّهِ . الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ .
قَوْلُهُ : ( كَأَنَّهُمْ ) أَيِ : الْمُسْلِمِينَ . قَوْلُهُ : ( كَرِهُوا ذَلِكَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا أَيْ : خَشُوا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْإِثْمِ لِلِاشْتِغَالِ فِي أَيَّامِ النُّسُكِ بِغَيْرِ الْعِبَادَةِ ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي : الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ النَّاسَ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَمَوَاسِمِ الْحَجِّ ، فَخَافُوا الْبَيْعَ وَهُمْ حُرُمٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ ، قَالَ : فَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا فِي الْمُصْحَفِ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانُوا لَا يَتَّجِرُونَ بِمِنًى ، فَأُمِرُوا بِالتِّجَارَةِ إِذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : كَانُوا يَمْنَعُونَ الْبَيْعَ وَالتِّجَارَةَ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ يَقُولُونَ : إِنَّهَا أَيَّامُ ذِكْرٍ ، فَنَزَلَتْ : وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُدْخِلُوا فِي حَجِّهِمُ التِّجَارَةَ حَتَّى نَزَلَتْ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى نَزَلَتْ إِلَخْ ) سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلٌ آخَرُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا .
قَوْلُهُ ( فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هُوَ كَلَامُ الرَّاوِي ذَكَرَهُ تَفْسِيرًا . انْتَهَى . وَفَاتَهُ مَا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الْبُيُوعِ قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ ، فَهِيَ عَلَى هَذَا مِنَ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ وَحُكْمُهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ حُكْمُ التَّفْسِيرِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلْمُعْتَكِفِ قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الْعِبَادَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ .
وَعَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ كَالْخُبْزِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَكْفِيهِ ، وَكَذَا كَرِهَهُ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى ، وَالْآيَةُ إِنَّمَا نَفَتِ الْجُنَاحَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهِ نَفْيُ أَوْلَوِيَّةِ مُقَابِلِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .