حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا يُنْهَى مِنْ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوهُ وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مَنْصُورٍ ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ ، وَالْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَصَتْ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي بَابِ كَفَنِ الْمُحْرِمِ وَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُحْرِمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ بَيَانُ اخْتِلَافٍ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا قَوْلُهُ : وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا بِلَفْظِ : وَلَا تُحَنِّطُوهُ ، وَهُوَ مِنَ الْحَنُوطِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ، وَهُوَ الطِّيبُ الَّذِي يُصْنَعُ لِلْمَيِّتِ .

وَقَوْلُهُ : ( يُبْعَثُ مُلَبِّيًا ) أَيْ : عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا . وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ إِحْرَامِهِ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ ، وَقَدْ تَمَسَّكُوا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظَةٍ اخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ : وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ فَقَالُوا : لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ ، مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَنْ مَاتَ مُحْرِمًا ، وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَأَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَقَالُوا : إِنَّ فِي ثُبُوتِ ذِكْرِ الْوَجْهِ مَقَالًا ، وَتَرَدَّدَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي صِحَّتِهِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : ذِكْرُ الْوَجْهِ غَرِيبٌ وَهُوَ وَهَمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ .

قَالَ مَنْصُورٌ : وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ ، وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : وَلَا تَكْشِفُوا وَجْهَهُ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظِ : وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظِ : وَلَا يُمَسُّ طِيبًا خَارِجَ رَأْسِهِ قَالَ شُعْبَةُ : ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ : خَارِجَ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ . انْتَهَى . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَتَعَلَّقُ بِالتَّطَيُّبِ لَا بِالْكَشْفِ وَالتَّغْطِيَةِ ، وَشُعْبَةُ أَحْفَظُ مِنْ كُلِّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، فَلَعَلَّ بَعْضَ رُوَاتُهُ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنَ التَّطَيُّبِ إِلَى التَّغْطِيَةِ .

وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الْحَيِّ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الَّذِي يَمُوتُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : لِأَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا ، وَهَذَا الْأَمْرُ لَا يَتَحَقَّقُ وَجُودُهُ فِي غَيْرِهِ ، فَيَكُونُ خَاصًّا بِذَلِكَ الرَّجُلِ; وَلَوِ اسْتَمَرَّ بَقَاؤُهُ عَلَى إِحْرَامِهِ لَأُمِرَ بِقَضَاءِ مَنَاسِكِهِ ، وَسَيَأْتِي تَرْجَمَةُ الْمُصَنِّفِ بِنَفْيِ ذلك . وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ : لَوْ أُرِيدَ تَعْمِيمُ هذا الْحُكْمِ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ لَقَالَ : فَإِنَّ الْمُحْرِمَ كَمَا جَاءَ : إِنَّ الشَّهِيدَ يُبْعَثُ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ كَوْنُهُ كَانَ فِي النُّسُكِ ، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ لِوَاحِدٍ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَتَ لِغَيْرِهِ حَتَّى يَتَّضِحَ التَّخْصِيصُ .

وَاخْتُلِفَ فِي الصَّائِمِ يَمُوتُ هَلْ يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِالْمَوْتِ حَتَّى يَجِبَ قَضَاءُ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْهُ أَوْ لَا يَبْطُلُ؟ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يُتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَغْطِيَةِ وَجْهِهِ لَيْسَ لِكَوْنِ الْمُحْرِمِ لَا يَجُوزُ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ ، بَلْ هُوَ صِيَانَةٌ لِلرَّأْسِ ، فَإِنَّهُمْ لَوْ غَطَّوْا وَجْهَهُ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُغَطَّى رَأْسُهُ ا هـ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ قَالَ : يُغَطِّي الْمُحْرِمُ مِنْ وَجْهِهِ مَا دُونَ الْحَاجِبَيْنِ أَيْ : مِنْ أَعْلَى . وَفِي رِوَايَةٍ : مَا دُونَ عَيْنَيْهِ .

وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَزِيدَ الِاحْتِيَاطِ لِكَشْفِ الرَّأْسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَكْمِلَةٌ ) : كَانَ وُقُوعُ الْمُحْرِمِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ مِنْ عَرَفَةَ . وَفِي الْحَدِيثِ إِطْلَاقُ الْوَاقِفِ عَلَى الرَّاكِبِ ، وَاسْتِحْبَابُ دَوَامِ التَّلْبِيَةِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَأَنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ بِالتَّوَجُّهِ لِعَرَفَةَ ، وَجَوَازُ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بِالسِّدْرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُعَدُّ طِيبًا .

وَحَكَى الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ سِدْرِ الْحَرَمِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ فِيهِ : وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْمُحْرِمِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ وَهَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَزَعَمَ أَنَّ اسْمَهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَزَاهُ لَابْنِ قُتَيْبَةَ فِي تَرْجَمَةِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي ، وَسَبَبُ الْوَهْمِ أَنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ لَمَّا ذَكَرَ تَرْجَمَةَ عُمَرَ ذَكَرَ أَوْلَادَهُ وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَوْلَادَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ فِيهِمْ وَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ : وَقَعَ عَنْ بَعِيرِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَهَلَكَ ، فَظَنَّ هَذَا الْمُتَأَخِّرُ أَنَّ لِوَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ صُحْبَةً ، وَأَنَّهُ صَاحِبُ الْقِصَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ؛ فَإِنَّ وَاقِدًا الْمَذْكُورَ لَا صُحْبَةَ لَهُ ، فَإِنَّ أُمَّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا أَبُوهُ فِي خِلَافَةِ أَبِيهِ عُمَرَ ، وَاخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهَا ، وَذَكَرَهَا الْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهُ فِي التَّابِعِينَ ، وَوَجَدْتُ فِي الصَّحَابَةِ وَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ آخَرَ ، لَكِنْ لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ وَقَعَ عَنْ بَعِيرِهِ فَهَلَكَ ، بَلْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، فَبَطَلَ تَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ بِأَنَّهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث