بَاب هَلْ يَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ
بَاب هَلْ يَقُولُ : إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ 1904- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ ، إِلَّا الصِّيَامَ ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ : إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ . لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا : إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ : هَلْ يَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى قَبْلَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ .
قَوْلُهُ فِيهِ : ( وَلَا يَصْخَبْ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ بَعْدَهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالسِّينِ بَدَلَ الصَّادِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، وَالصَّخَبُ الْخِصَامُ وَالصِّيَاحُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ تَأْكِيدُهُ حَالَةَ الصَّوْمِ ، وَإِلَّا فَغَيْرُ الصَّائِمِ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( لَخُلُوفُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : لَخُلُفُ بِحَذْفِ الْوَاوِ كَأَنَّهَا صِيغَةُ جَمْعٍ ، وَيُرْوَى فِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ : لَخُلْفَةُ عَلَى الْوَحْدَةِ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ . قَوْلُهُ : ( لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا : إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ) زَادَ مُسْلِمٌ : بِفِطْرِهِ ، وَقَوْلُهُ : يَفْرَحُهُمَا أَصْلُهُ : يَفْرَحُ بِهِمَا فَحَذَفَ الْجَارَّ وَوَصَلَ الضَّمِيرَ كَقَوْلِهِ : صَامَ رَمَضَانَ أَيْ : فِيهِ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَاهُ : فَرِحَ بِزَوَالِ جُوعِهِ وَعَطَشِهِ ، حَيْثُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ وَهَذَا الْفَرَحُ طَبِيعِيٌّ ، وَهُوَ السَّابِقُ لِلْفَهْمِ ، وَقِيلَ : إِنَّ فَرَحَهُ بِفِطْرِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَمَامُ صَوْمِهِ وَخَاتِمَةُ عِبَادَتِهِ وَتَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّهِ وَمَعُونَةٌ عَلَى مُسْتَقْبَلِ صَوْمِهِ . قُلْتُ : وَلَا مَانِعَ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا ذُكِرَ ، فَفَرَحُ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ ؛ لِاخْتِلَافِ مَقَامَاتِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ فَرَحُهُ مُبَاحًا وَهُوَ الطَّبِيعِيُّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا ، وَهُوَ مَنْ يَكُونُ سَبَبَهُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَهُ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ) أَيْ : بِجَزَائِهِ وَثَوَابِهِ .
وَقِيلَ : الْفَرَحُ الَّذِي عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ إِمَّا لِسُرُورِهِ بِرَبِّهِ ، أَوْ بِثَوَابِ رَبِّهِ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ . قُلْتُ : وَالثَّانِي أَظْهَرُ ؛ إِذْ لَا يَنْحَصِرُ الْأَوَّلُ فِي الصَّوْمِ ، بَلْ يَفْرَحُ حِينَئِذٍ بِقَبُولِ صَوْمِهِ وَتَرَتُّبِ الْجَزَاءِ الْوَافِرِ عَلَيْهِ .