حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ

حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ - وَكَانَ لِي صَدِيقًا - فَقَالَ : اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ ، فَخَطَبَنَا وَقَالَ : إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا - أَوْ نُسِّيتُهَا - فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعي فَلْيَرْجِعْ ، فَرَجَعْنَا ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً ، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ ، وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هِشَامٌ ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَيَأْتِي فِي الِاعْتِكَافِ منْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ . قَوْلُهُ : ( سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ وَكَانَ لِي صَدِيقًا ، فَقَالَ : اعْتَكَفْنَا ) لَمْ يَذْكُرِ الْمَسْئُولَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَةِ : سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ : هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ : نَعَمْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ .

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ يَحْيَى : تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَأَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَذَكَرَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ يَحْيَى فِي بَابِ السُّجُودِ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ : انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَقُلْتُ : أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ فَنَتَحَدَّثَ؟ فَخَرَجَ ، فَقُلْتُ : حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَأَفَادَ بَيَانَ سَبَبِ السُّؤَالِ ، وَفِيهِ تَأْنِيسُ الطَّالِبِ لِلشَّيْخِ فِي طَلَبِ الِاخْتِلَاءِ بِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِمَّا يُرِيدُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ . قَوْلُهُ : ( اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَالْمُرَادُ بِالْعَشْرِ اللَّيَالِي ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تُوصَفَ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ لَكِنْ وُصِفَتْ بِالْمُذَكَّرِ عَلَى إِرَادَةِ الْوَقْتِ أَوِ الزَّمَانِ ، أَوِ التَّقْدِيرُ الثُّلُثُ ، كَأَنَّهُ قَالَ : اللَّيَالِي الْعَشْرُ الَّتِي هِيَ الثُّلُثُ الْأَوْسَطُ مِنَ الشَّهْرِ ، وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ : الْعَشْرُ الْوُسُطُ ، بِضَمِّ الْوَاوِ وَالسِّينِ ، جَمْعُ وُسْطَى ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ السِّينِ مِثْلُ كُبُرٍ وَكُبْرَى ، وَرَوَاهُ الْبَاجِيُّ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْكَانِهَا عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ وَاسِطٍ كَبَازِلٍ وَبَزْلٍ ، وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ الْأَوْسَطِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ : كَانَ يُجَاوِرُ الْعَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْآتِيَةِ فِي أَوَّلِ الِاعْتِكَافِ : كَانَ يَعْتَكِفُ وَالِاعْتِكَافُ مُجَاوَرَةٌ مَخْصُوصَةٌ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ ، فَلَمَّا انْقَضَيْنَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ ، ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ : اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمَذْكُورَةِ وَزَادَ فِيهَا : إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فِي الْمَرَّتَيْنِ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ أَيْ : قُدَّامَكَ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَصَفَ الْأَوَّلَ وَالْأَوْسَطَ بِالْمُفْرَدِ وَالْأَخِيرَ بِالْجَمْعِ إِشَارَةً إِلَى تَصْوِيرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ . قَوْلُهُ : ( فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ : حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ وَظَاهِرُهُ يُخَالِفُ رِوَايَةَ الْبَابِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ خُطْبَتَهُ وَقَعَتْ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَوَّلُ لَيَالِي اعْتِكَافِهِ الْأَخِيرِ لَيْلَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ ، وَهُوَ مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْخُطْبَةَ كَانَتْ فِي صُبْحِ الْيَوْمِ الْعِشْرِينَ ، وَوُقُوعَ الْمَطَرِ كَانَ فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِبَقِيَّةِ الطُّرُقِ ، وَعَلَى هَذَا فَكَأَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ : وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا أَيْ : مِنَ الصُّبْحِ الَّذِي قَبْلَهَا ، وَيَكُونُ فِي إِضَافَةِ الصُّبْحِ إِلَيْهَا تَجَوُّزٌ .

وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ دِحْيَةَ فِي تَقْرِيرِ أَنَّ اللَّيْلَةَ تُضَافُ لِلْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهَا ، وَرَدَّ عَلَى مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ ، والدَّرَاوَرْدِيِّ - يَعْنِي : رِوَايَةَ حَدِيثِ الْبَابِ - مُسْتَقِيمَةٌ ، وَرِوَايَةُ مَالِكٍ مُشْكِلَةٌ ، وَأَشَارَ إِلَى تَأْوِيلِهَا بِنَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْتُهُ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ : فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْإِيضَاحِ ، وَأَفَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ الرُّوَاةَ عَنْ مَالِكٍ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ : هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ وَالشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ : يَخْرُجُ فِي صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَالْقَعْنَبِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ فَقَالُوا : وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ : وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ : مَنِ اعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطَهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنَ اعْتِكَافِهِ ، وَمَنِ اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَلَا يَنْصَرِفُ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَا خِلَافَ فِي الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنِ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ ، هَلْ يَخْرُجُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ أَوْ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُصْبِحَ؟ قَالَ : وَأَظُنُّ الْوَهْمَ دَخَلَ مِنْ وَقْتِ خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ .

قُلْتُ : وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَا قَرَّرَهُ هُوَ مِنْ بَيَانِ مَحَلِّ الِاخْتِلَافِ . وَقَدْ وَجَّهَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ رِوَايَةَ الْبَابِ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : حَتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَيْ : حَتَّى إِذَا كَانَ الْمُسْتَقْبَلُ مِنَ اللَّيَالِي لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَقَوْلُهُ : وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ : مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِيَ فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِإِدْخَالِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى . قَوْلُهُ : ( أُرِيتُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ، وَهِيَ مِنَ الرُّؤْيَا ، أَيْ : أُعْلِمْتُ بِهَا ، أَوْ مِنَ الرُّؤْيَةِ أَيْ : أَبْصَرْتُهَا ، وَإِنَّمَا أُرِيَ عَلَامَتَهَا وَهُوَ السُّجُودُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِلَفْظِ : حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ .

قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أُنْسِيتُهَا أَوْ نَسِيتُهَا ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي هَلْ أَنْسَاهُ غَيْرُهُ إِيَّاهَا أَوْ نَسِيَهَا هُوَ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ نُسِّيتُهَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ ، فَهُوَ بِمَعْنَى أُنْسِيتُهَا ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أُنْسِيَ عِلْمَ تَعْيِينِهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ ، وَسَيَأْتِي سَبَبُ النِّسْيَانِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بَعْدَ بَابٍ . قَوْلُهُ : ( أنِّي أَسْجُدُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ أَسْجُدَ . قَوْلُهُ : ( فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِيَ فَلْيَرْجِعْ ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمَذْكُورَةِ : مَنِ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ .

قَوْلُهُ : ( قَزَعَةٌ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ أَيْ : قِطْعَةٌ مِنْ سَحَابٍ رَقِيقَةٌ . قَوْلُهُ : ( فَمَطَرَتْ ) بِفَتْحَتَيْنِ ، فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : فَاسْتُهِلَّتِ السَّمَاءُ فَأَمْطَرَتْ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ أَيْ : قَطَّرَ الْمَاءُ مِنْ سَقْفِهِ ، وَكَانَ عَلَى عَرِيشٍ أَيْ : مِثْلِ الْعَرِيشِ ، وَإِلَّا فَالْعَرِيشُ هُوَ نَفْسُ سَقْفِهِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ مُظَلَّلًا بِالْجَرِيدِ وَالْخُوصِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْكَمَ الْبِنَاءِ بِحَيْثُ يَكُن مِنَ الْمَطَرِ الْكَثِيرَ .

قَوْلُهُ : ( يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ ) وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ : أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ لَمْ يُرَدْ بِهِ مَحْضُ الْأَثَرِ وَهُوَ مَا يَبْقَى بَعْدَ إِزَالَةِ الْعَيْنِ ، وَقَدْ مَضَى الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنَ الْفَوَائِدِ تَرْكُ مَسْحِ جَبْهَةِ الْمُصَلِّي ، وَالسُّجُودُ عَلَى الْحَائِلِ ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْأَثَرِ الْخَفِيفِ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ : وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الِامْتِلَاءَ الْمَذْكُورَ لَا يَسْتَلْزِمُ سِتْرَ جَمِيعِ الْجَبْهَةِ . وَفِيهِ جَوَازُ السُّجُودِ فِي الطِّينِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَكْثَرُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الصَّلَاةِ .

وَفِيهِ الْأَمْرُ بِطَلَبِ الْأَوْلَى وَالْإِرْشَادُ إِلَى تَحْصِيلِ الْأَفْضَلِ ، وَأَنَّ النِّسْيَانَ جَائِزٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لَا سِيَّمَا فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي تَبْلِيغِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالتَّشْرِيعِ كَمَا فِي السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ؛ لِأَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَوْ عُيِّنَتْ فِي لَيْلَةٍ بِعَيْنِهَا حَصَلَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا فَفَاتَتِ الْعِبَادَةُ فِي غَيْرِهَا ، وَكَأنَ هَذَا هُوَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : عَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ . وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ رَمَضَانَ بِدُونِ شَهْرٍ ، وَاسْتِحْبَابُ الِاعْتِكَافِ فِيهِ ، وَتَرْجِيحُ اعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ ، وَأَنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا يَقَعُ تَعْبِيرُهُ مُطَابِقًا ، وَتَرَتُّبُ الْأَحْكَامِ عَلَى رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ . وَفِي أَوَّلِ قِصَّةِ أَبِي سَلَمَةَ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَشْيُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَإِيثَارُ الْمَوَاضِعِ الْخَالِيَةِ لِلسُّؤَالِ ، وَإِجَابَةُ السَّائِلِ لِذَلِكَ وَاجْتِنَابُ الْمَشَقَّةِ فِي الِاسْتِفَادَةِ ، وَابْتِدَاءُ الطَّالِبِ بِالسُّؤَالِ ، وَتَقَدُّمُ الْخُطْبَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ وَتَقْرِيبُ الْبَعِيدِ فِي الطَّاعَةِ وَتَسْهِيلُ الْمَشَقَّةِ فِيهَا بِحُسْنِ التَّلَطُّفِ وَالتَّدْرِيجِ إِلَيْهَا ، قِيلَ : وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ جَوَازُ تَغْيِيرِ مَادَّةِ الْبِنَاءِ مِنَ الْأَوْقَافِ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا وَأَنْفَعُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث