حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب شِرَاءِ الْإِبِلِ الْهِيمِ أَوْ الْأَجْرَبِ

بَاب شِرَاءِ الْإِبِلِ الْهِيمِ أَوْ الْأَجْرَبِ . الْهَائِمُ : الْمُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ 2099 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : قَالَ عَمْرٌو : كَانَ هَا هُنَا رَجُلٌ اسْمُهُ نَوَّاسٌ ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ إِبِلٌ هِيمٌ ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَاشْتَرَى تِلْكَ الْإِبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ ، فَجَاءَ إِلَيْهِ شَرِيكُهُ فَقَالَ : بِعْنَا تِلْكَ الْإِبِلَ . فَقَالَ : مِمَّنْ بِعْتَهَا ؟ فقَالَ : مِنْ شَيْخٍ كَذَا وَكَذَا .

فَقَالَ : وَيْحَكَ ، ذَاكَ وَاللَّهِ ابْنُ عُمَرَ . فَجَاءَهُ فَقَالَ : إِنَّ شَرِيكِي بَاعَكَ إِبِلًا هِيمًا وَلَمْ يَعْرِفْكَ . قَالَ : فَاسْتَقْهَا .

قَالَ : فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُهَا فَقَالَ : دَعْهَا ، رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا عَدْوَى سَمِعَ سُفْيَانُ ، عَمْرًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ شِرَاءِ الْإِبِلِ الْهِيمِ ) بِكَسْرِ الْهَاءِ جَمْعُ أَهْيَمَ لِلْمُذَكَّرِ وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى : هَيْمَى . قَوْلُهُ : ( أَوِ الْأَجْرَبِ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ : وَالْأَجْرَبِ وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْجَمْعِ فِي الصِّفَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ هُنَا هُوَ الْإِبِلُ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ صَالِحٌ لِلْجَمْعِ وَالْمُفْرَدِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : شِرَاءُ الْإِبِلِ الْهِيمِ وَشِرَاءُ الْإِبِلِ الْجُرْبِ .

قَوْلُهُ : ( الْهَائِمُ الْمُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَيْسَ الْهَائِمُ وَاحِدَ الْهِيمِ ، وَمَا أَدْرِي لِمَ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ الْهَائِمَ هُنَا ا هـ . وَقَدْ أَثْبَتَ غَيْرُهُ مَا نَفَاهُ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ : الْهِيمُ جَمْعُ أَهْيَمَ ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ هَائِمٌ ثُمَّ يَجْمَعُونَهُ عَلَى هِيمٍ كَمَا قَالُوا : غَائِطٌ وَغِيطٌ ، قَالَ : وَالْإِبِلُ الْهِيمُ الَّتِي أَصَابَهَا الْهُيَامُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَبِكَسْرِهَا دَاءٌ تَصِيرُ مِنْهُ عَطْشَى تَشْرَبُ فَلَا تُرْوَى . وَقِيلَ : الْإِبِلُ الْهِيمُ الْمَطْلِيَّةُ بِالْقَطِرَانِ مِنَ الْجَرَبِ فَتَصِيرُ عَطْشَى مِنْ حَرَارَةِ الْجَرَبِ ، وَقِيلَ : هُوَ دَاءٌ يَنْشَأُ عَنْهُ الْجَرَبُ .

ثُمَّ أَسْنَدَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ قَالَ : الْإِبِلُ الْعِطَاشُ . وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ هِيَ الْإِبِلُ يَأْخُذُهَا الْعَطَشُ فَتَشْرَبُ حَتَّى تَهْلِكَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَمْرٌو ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ ، وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : سَمِعَ سُفْيَانُ ، عَمْرًا هُوَ مَقُولُ شَيْخِهِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو بِهِ .

قَوْلُهُ : ( كَانَ هَهُنَا ) أَيْ : بِمَكَّةَ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ . قَوْلُهُ : ( اسْمُهُ نَوَّاسٌ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالتَّشْدِيدِ لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْقَابِسِيُّ بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِزِيَادَةِ يَاءِ النَّسَبِ . قَوْلُهُ : ( مِنْ شَرِيكٍ لَهُ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ .

قَوْلُهُ : ( إِبِلًا هِيمًا ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، هِيَامًا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَعْرِفْكَ ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّعْرِيفِ . قَوْلُهُ : ( فَاسْتَقِهَا ) بِالْمُهْمَلَةِ فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الِاسْتِيَاقِ ، وَالْقَائِلُ ابْنُ عُمَرَ وَالْمَقُولُ لَهُ نَوَّاسٌ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ : قَالَ فَاسْتَقِهَا إِذًا أَيْ : إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ فَارْتَجِعْهَا .

قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : دَعْهَا ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ عُمَرَ ، وَكَأَنَّ نَوَّاسًا أَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فَاسْتَدْرَكَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ : دَعْهَا . قَوْلُهُ : ( رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ : رَضِيتُ بِحُكْمِهِ حَيْثُ حَكَمَ أَلَّا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ، وَعَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ التِّينِ يَصِيرُ الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، وَعَلَى الَّذِي اخْتَرْتُهُ جَرَى الْحَمِيدِيُّ فِي جَمْعِهِ ، فَأَوْرَدَ هَذِهِ الطَّرِيقَ عَقِبَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِمَا مَرْفُوعًا : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ كَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ بَيْعِ الشَّيْءِ الْمَعِيبِ إِذَا بَيَّنَهُ الْبَائِعُ وَرَضِيَ بِهِ الْمُشْتَرِي ، سَوَاءٌ بَيَّنَهُ الْبَائِعُ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ ، لَكِنْ إِذَا أَخَّرَ بَيَانَهُ عَنِ الْعَقْدِ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي . وَفِيهِ اشْتِرَاءُ الْكَبِيرِ حَاجَتَهُ بِنَفْسِهِ ، وَتَوَقِّي ظُلْمِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ ، وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قِصَّةً قَالَ : وَكَانَ نَوَّاسٌ يُجَالِسُ ابْنَ عُمَرَ وَكَانَ يُضْحِكُهُ ، فَقَالَ يَوْمًا : وَدِدْتَ أَنَّ لِي أَبَا قُبَيْسٍ ذَهَبًا ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ : أَمُوتُ عَلَيْهِ .

قَوْلُهُ : ( لَا عَدْوَى ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا أَعْرِفُ لِلْعَدْوَى هُنَا مَعْنَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْهُيَامُ دَاءً مِنْ شَأْنِهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ بِهِ إِذَا رَعَى مَعَ الْإِبِلِ حَصَلَ لَهَا مِثْلُهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : لَهَا مَعْنًى ظَاهِرٌ ، أَيْ : رَضِيتُ بِهَذَا الْبَيْعِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْعَيْبِ وَلَا أُعَدِّي عَلَى الْبَائِعِ حَاكِمًا . وَاخْتَارَ هَذَا التَّأْوِيلَ ابْنُ التِّينِ وَمَنْ تَبِعَهُ .

وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا عَدْوَى النَّهْيُ عَنِ الِاعْتِدَاءِ وَالظُّلْمِ . وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْهِجْرِيُّ فِي النَّوَادِرِ : الْهُيَامُ دَاءٌ مِنْ أَدْوَاءِ الْإِبِلِ يَحْدُثُ عَنْ شُرْبِ الْمَاءِ النَّجْلِ إِذَا كَثُرَ طُحْلُبُهُ ، وَمِنْ عَلَامَةِ حُدُوثِهِ إِقْبَالُ الْبَعِيرِ عَلَى الشَّمْسِ حَيْثُ دَارَتْ ، وَاسْتِمْرَارُهُ عَلَى أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَبَدَنُهُ يَنْقُصُ كَالذَّائِبِ ، فَإِذَا أَرَادَ صَاحِبُهُ اسْتِبَانَةَ أَمْرِهِ اسْتَبَانَ لَهُ ، فَإِنْ وَجَدَ رِيحَهُ مِثْلَ رِيحِ الْخَمِيرَةِ فَهُوَ أَهْيَمُ ، فَمَنْ شَمَّ مِنْ بَوْلِهِ أَوْ بَعْرِهِ أَصَابَهُ الْهُيَامُ ا هـ . وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْمَعْنَى الَّذِي خَفِيَ عَلَى الْخَطَّابِيِّ وَأَبَدَاهُ احْتِمَالًا ، وَبِهِ يَتَّضِحُ صِحَّةُ عِطْفِ الْبُخَارِيِّ الْأَجْرَبَ عَلَى الْهِيمِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي دَعْوَى الْعَدْوَى ، وَمِمَّا يُقَوِّيهِ أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ ، وَيَكُونُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : لَا عَدْوَى تَفْسِيرًا لِلْقَضَاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث