حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً أَوْ بِإِجَارَةٍ

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ . قَوْلُهُ : ( مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ ) فِي رِوَايَةِ نَافِعٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ يَسِيرٍ : أَيُّمَا رَجُلٍ أَبَّرَ نَخْلًا ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا إِلَخْ وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ نَخْلًا وَعَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ لَمْ تَدْخُلِ الثَّمَرَةُ فِي الْبَيْعِ بَلْ تَسْتَمِرُّ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ ، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَتَكُونُ لِلْمُشْتَرِي ، وَبِذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَخَالَفَهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَالَا : تَكُونُ لِلْبَائِعِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ وَبَعْدَهُ ، وَعَكَسَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فَقَالَ : تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مُطْلَقًا . وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ إِطْلَاقِ بَيْعِ النَّخْلِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلثَّمَرَةِ ، فَإِنْ شَرَطَهَا الْمُشْتَرِي بِأَنْ قَالَ : اشْتَرَيْتُ النَّخْلَ بِثَمَرَتِهَا كَانَتْ لِلْمُشْتَرِي ، وَإِنْ شَرَطَهَا الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ كَانَتْ لَهُ .

وَخَالَفَ مَالِكٌ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ شَرْطُهَا لِلْبَائِعِ . فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ مَنْطُوقِهِ حُكْمَانِ وَمِنْ مَفْهُومِهِ حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ ، وَالْآخَرُ بِمَفْهُومِ الِاسْتِثْنَاءِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْقَوْلُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ يَعْنِي : بِالْمَفْهُومِ فِي هَذَا ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حُكْمُ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ حُكْمَ الْمُؤَبَّرَةِ لَكَانَ تَقْيِيدُهُ بِالشَّرْطِ لَغْوًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ . ( تَنْبِيهٌ ) : لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّأْبِيرِ أَنْ يُؤَبِّرَهُ أَحَدٌ ، بَلْ لَوْ تَأَبَّرَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَخْتَلِفِ الْحُكْمُ عِنْدَ جَمِيعِ الْقَائِلِينَ بِهِ .

قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ) الْمُرَادُ بِالْمُبْتَاعِ الْمُشْتَرِي بِقَرِينَةِ الْإِشَارَةِ إِلَى الْبَائِعِ بِقَوْلِهِ : مَنْ بَاعَ ، وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ اشْتِرَاطُ بَعْضِ الثَّمَرَةِ كَمَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ جَمِيعِهَا ، وَكَأَنَّهُ قَالَ : إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ فِي حَذْفِ الْمَفْعُولِ . وَانْفَرَدَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ لَهُ شَرْطُ بَعْضِهَا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُؤَبَّرَ يُخَالِفُ فِي الْحُكْمِ غَيْرَ الْمُؤَبَّرِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ : لَوْ بَاعَ نَخْلَةً بَعْضَهَا مُؤَبَّرٌ وَبَعْضَهَا غَيْرَ مُؤَبَّرٍ فَالْجَمِيعُ لِلْبَائِعِ ، وَإِنْ بَاعَ نَخْلَتَيْنِ فَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الصَّفْقَةِ ، فَإِنْ أَفْرَدَ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ .

وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا فِي بُسْتَانٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ تَعَدَّدَ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ . وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُؤَبَّرُ لِلْبَائِعِ وَالَّذِي لَا يُؤَبَّرُ لِلْمُشْتَرِي ، وَجَعَلَ الْمَالِكِيَّةُ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّأْبِيرِ وَأَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ مُخْتَصٌّ بِإِنَاثِ النَّخْلِ دُونَ ذُكُورِهِ وَأَمَّا ذُكُورُهُ فَلِلْبَائِعِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى ، وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ التَّأْبِيرِ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أُنْثَى وَذَكَرٍ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ بَاعَ نَخْلَةً وَبَقِيَتْ ثَمَرَتُهَا لَهُ ثُمَّ خَرَجَ طَلْعٌ آخَرُ مِنْ تِلْكَ النَّخْلَةِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ : هُوَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ إِلَّا مَا وُجِدَ دُونَ مَا لَمْ يُوجَدْ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : هُوَ لِلْبَائِعِ لِكَوْنِهِ مِنْ ثَمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ دُونَ غَيْرِهَا .

وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي لَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ لَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ ، وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَاحْتَجَّ بِهِ لِمَذْهَبِهِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ، بِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِالشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ حَتَّى إِذَا جَاءَ مَا وَرَدَ فِيهِ اسْتُدِلَّ بِغَيْرِهِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ ، فَيُسْتَدَلُّ لِجَوَازِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِحَدِيثِ التَّأْبِيرِ ، وَلَا يُعْمَلُ بِحَدِيثِ التَّأْبِيرِ ، بَلْ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ وَبَعْدَهُ ؛ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ فِي ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي ، سَوَاءٌ شَرَطَهَا الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ التَّأْبِيرِ وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ سَهْلٌ ؛ بِأَنَّ الثَّمَرَةَ فِي بَيْعِ النَّخْلِ تَابِعَةٌ لِلنَّخْلِ ، وَفِي حَدِيثِ النَّهْيِ مُسْتَقِلَّةٌ ، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث