بَاب الْحَوَالَةِ وَهَلْ يَرْجِعُ فِي الْحَوَالَةِ وبَاب إِذَا أَحَالَ عَلَى مَلِيٍّ فَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ
بَاب الْحَوَالَةِ . وَهَلْ يَرْجِعُ فِي الْحَوَالَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ : إِذَا كَانَ يَوْمَ أَحَالَ عَلَيْهِ مَلِيًّا جَازَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ وَأَهْلُ الْمِيرَاثِ فَيَأْخُذُ هَذَا عَيْنًا وَهَذَا دَيْنًا ، فَإِنْ نَوِيَ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ 2287 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ .
2 - بَاب إِذَا أَحَالَ عَلَى مَلِيٍّ فَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ 2288 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ ذَكْوَانَ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ . قَوْلُهُ : ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾. بَابُ الْحَوَالَةِ ) .
كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَزَادَ النَّسَفِيُّ ، وَالْمُسْتَمْلِي بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ ( كِتَابُ الْحَوَالَةِ ) . وَالْحَوَالَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّحْوِيلِ أَوْ مِنَ الْحُئُولِ ، تَقُولُ : حَالَ عَنِ الْعَهْدِ إِذَا انْتَقَلَ عَنْهُ حُئُولًا . وَهِيَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ نَقْلُ دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ .
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ رُخِّصَ فِيهِ فَاسْتُثْنِيَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ ، أَوْ هِيَ اسْتِيفَاءٌ ؟ وَقِيلَ : هِيَ عَقْدُ إِرْفَاقٍ مُسْتَقِلٍّ ، وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا رِضَا الْمُحِيلِ بِلَا خِلَافٍ ، وَالْمُحْتَالِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضٍ شَذَّ . وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا تَمَاثُلُ الْحَقَّيْنِ فِي الصِّفَاتِ ، وَأَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مَعْلُومٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهَا بِالنَّقْدَيْنِ وَمَنَعَهَا فِي الطَّعَامِ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ طَعَامٍ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى .
قَوْلُهُ : ( وَهَلْ يَرْجِعُ فِي الْحَوَالَةِ ) . هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى خِلَافٍ فِيهَا هَلْ هِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ أَوْ جَائِزٌ ؟ قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ إِذَا كَانَ ) أَيِ : الْمُحَالُ عَلَيْهِ ( يَوْمَ أُحَالَ عَلَيْهِ مَلِيًّا جَازَ ) أَيْ : بِلَا رُجُوعٍ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُفْلِسًا فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ . وَهَذَا الْأَثَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا سُئِلَا عَنْ رَجُلٍ احْتَالَ عَلَى رَجُلٍ فَأَفْلَسَ ، قَالَا : إِنْ كَانَ مَلِيًّا يَوْمَ احْتَالَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ .
وَقَيَّدَهُ أَحْمَدُ بِمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْمُحْتَالُ بِإِفْلَاسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ . وَعَنِ الْحَكَمِ لَا يَرْجِعُ إِلَّا إِذَا مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ يَرْجِعُ بِالْمَوْتِ وَأَمَّا بِالْفَلَسِ فَلَا يَرْجِعُ إِلَّا بِمَحْضَرِ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَرْجِعُ بِالْفَلَسِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ عَاشَ أَوْ مَاتَ ، وَلَا يَرْجِعُ بِغَيْرِ الْفَلَسِ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَرْجِعُ إِلَّا إِنْ غَرَّهُ كَأَنْ عَلِمَ فَلَسَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ . وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَشُرَيْحٌ ، وَزُفَرُ : الْحَوَالَةُ كَالْكَفَالَةِ فَيَرْجِعُ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ ، وَبِهِ يُشْعِرُ إِدْخَالُ الْبُخَارِيِّ أَبْوَابَ الْكَفَالَةِ فِي كِتَابِ الْحَوَالَةِ .
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ مُطْلَقًا ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الرَّجُلِ أَحَلْتُهُ وَأَبْرَأَنِي حَوَّلْتُ حَقَّهُ عَنِّي وَأَثْبَتُّهُ عَلَى غَيْرِي . وَذَكَرَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ احْتَجَّ لِقَوْلِهِ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَوَالَةِ أَوِ الْكَفَالَةِ : يَرْجِعُ صَاحِبُهَا لَا تَوًى أَيْ : لَا هَلَاكَ ، عَلَى مُسْلِمٍ قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنْ إِسْنَادِهِ فَذَكَرَهُ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ عَنْ آخَرَ مَعْرُوفٍ ، لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُثْمَانَ ، فَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مِنْ أَوْجُهٍ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَشَارَ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ عُثْمَانَ ، فَالْمَجْهُولُ خُلَيْدٌ وَالِانْقِطَاعُ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، وَعُثْمَانَ ، وَلَيْسَ الْحَدِيثُ مَعَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا ، وَقَدْ شَكَّ رَاوِيهِ هَلْ هُوَ فِي الْحَوَالَةِ أَوِ الْكَفَالَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ .
إِلَخْ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِمَعْنَاهُ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : مَحَلُّهُ مَا إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِالتَّرَاضِي مَعَ اسْتِوَاءِ الدَّيْنِ ، وَقَوْلُهُ : تَوِيَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ : هَلَكَ ، وَالْمُرَادُ أَنْ يُفْلِسَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوْ يَمُوتُ أَوْ يَجْحَدَ فَيَحْلِفَ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ لَا رُجُوعَ لِمَنْ رَضِيَ بِالدَّيْنِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَوَجْهُهُ أَنَّ مَنْ رَضِيَ بِذَلِكَ فَهَلَكَ فَهُوَ فِي ضَمَانِهِ كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَيْنًا فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ ، وَأَلْحَقَ الْبُخَارِيُّ الْحَوَالَةَ بِذَلِكَ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : إِذَا كَانَ بَيْنَ وَرَثَةٍ أَوْ شُرَكَاءَ مَالٌ وَهُوَ فِي يَدِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَبَايَعُوهُ بَيْنَهُمْ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) قَدْ رَوَاهُ هَمَّامٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَجَابِرٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ : الْمَطْلُ ظُلْمُ الْغَنِيِّ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مِنَ الظُّلْمِ ، وَأُطْلِقَ ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ عَنِ الْمَطْلِ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : إِنَّ مِنَ الظُّلْمِ مَطْلَ الْغَنِيِّ وَهُوَ يُفَسِّرُ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَأَصْلُ الْمَطْلِ الْمَدُّ ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : مَطَلْتُ الْحَدِيدَةَ أَمْطُلُهَا مَطْلًا إِذَا مَدَدْتُهَا لِتَطُولَ ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الْمَطْلُ الْمُدَافَعَةُ ، وَالْمُرَادُ هُنَا تَأْخِيرُ مَا اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ .
وَالْغَنِيُّ مُخْتَلَفٌ فِي تَفْرِيعِهِ ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا مَنْ قَدَرَ عَلَى الْأَدَاءِ فَأَخَّرَهُ ، وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ . وَهَلْ يَتَّصِفُ بِالْمَطْلِ مَنْ لَيْسَ الْقَدْرُ الَّذِي اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ حَاضِرًا عِنْدَهُ ، لَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِالتَّكَسُّبِ مَثَلًا؟ أَطْلَقَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمَ الْوُجُوبِ ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِالْوُجُوبِ مُطْلَقًا ، وَفَصَلَ آخَرُونَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الدَّيْنِ وَجَبَ بِسَبَبٍ يُعْصَى بِهِ فَيَجِبُ وَإِلَّا فَلَا ، وَقَوْلُهُ : مَطْلُ الْغَنِيِّ هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْفَاعِلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْغَنِيِّ الْقَادِرِ أَنْ يَمْطُلَ بِالدَّيْنِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ بِخِلَافِ الْعَاجِزِ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ وَفَاءُ الدَّيْنِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَحِقُّهُ غَنِيًّا وَلَا يَكُونُ غِنَاهُ سَبَبًا لِتَأْخِيرِ حَقِّهِ عَنْهُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ فَهُوَ فِي حَقِّ الْفَقِيرِ أَوْلَى ، وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا التَّأْوِيلِ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيء فَلْيَتْبَعْ ) الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ وَاللُّغَةِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ إِسْكَانُ الْمُثَنَّا فِي أُتْبِعَ وَفِي فَلْيَتْبَعْ وَهُوَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ مِثْلُ إِذَا أُعْلِمَ فَلْيَعْلَمْ ، تَقُولُ : تَبِعْتُ الرَّجُلَ بِحَقِّي أَتْبَعُهُ تَبَاعَةً - بِالْفَتْحِ - إِذَا طَلَبْتَهُ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَمَّا أُتْبِعَ فَبِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّاءِ مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَأَمَّا فَلْيَتْبَعْ فَالْأَكْثَرُ عَلَى التَّخْفِيفِ ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِالتَّشْدِيدِ ، وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ .
انْتَهَى . وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أُتْبِعَ يَرُدُّهُ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ : إِنَّ أَكْثَرَ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَهُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَالصَّوَابُ التَّخْفِيفُ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : أُتْبِعَ فَلْيَتْبَعْ أَيْ : أُحِيلَ فَلْيَحْتَلْ ، وَقَدْ رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَحْمَدُ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِثْلَهُ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَأَشَارَ إِلَى تَفَرُّدِ يَعْلَى بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ كَمَا تَرَاهُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : فَإِذَا أُحِلْتَ عَلَى مَلِيءٍ فَاتَّبِعْهُ وَهَذَا بِتَشْدِيدِ التَّاءِ بِلَا خِلَافٍ ، وَالْمَلِيءُ بِالْهَمْزِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُلَاءِ ، يُقَالُ : مَلُؤَ الرَّجُلُ بِضَمِّ اللَّامِ ، أَيْ : صَارَ مَلِيًّا ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْمَلِيُّ كَالْغَنِيِّ لَفْظًا وَمَعْنًى ، فَاقْتَضَى أَنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّهُ فِي الْأَصْلِ بِالْهَمْزِ وَمَنْ رَوَاهُ بِتَرْكِهَا فَقَدْ سَهَّلَهُ ، وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ : فَلْيَتْبَعْ ، لِلِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَوَهَمَ مَنْ نَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، وَقِيلَ : هُوَ أَمْرُ إِبَاحَةٍ وَإِرْشَادٍ وَهُوَ شَاذٌّ ، وَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَعِبَارَةُ الْخِرَقِيِّ : وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَالَ . ( تَنْبِيهٌ ) : ادَّعَى الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْأَشْهَرَ فِي الرِّوَايَاتِ وَإِذَا أُتْبِعَ وَأَنَّهُمَا جُمْلَتَانِ لَا تَعَلُّقَ لِإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إِلَّا بِالْوَاوِ ، وَغَفَلَ عَمَّا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ هُنَا ؛ فَإِنَّهُ بِالْفَاءِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ، وَهُوَ كَالتَّوْطِئَةِ وَالْعِلَّةِ لِقَبُولِ الْحَوَالَةِ ، أَيْ : إِذَا كَانَ الْمَطْلُ ظُلْمًا فَلْيَقْبَلْ مَنْ يَحْتَالُ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الظُّلْمِ فَلَا يَمْطُلَ .
نَعَمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِالْوَاوِ وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ لَكِنْ قَالَ : وَمَنْ أُتْبِعَ وَمُنَاسَبَةُ الْجُمْلَةِ لِلَّتِي قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ مَطْلَ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ عَقَّبَهُ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي قَبُولُ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمَلِيءِ لِمَا فِي قَبُولِهَا مِنْ دَفْعِ الظُّلْمِ الْحَاصِلِ بِالْمَطْلِ ، فَإِنَّهُ قَدْ تَكُونُ مُطَالَبَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ سَهْلَةً عَلَى الْمُحْتَالِ دُونَ الْمُحِيلِ ، فَفِي قَبُولِ الْحَوَالَةِ إِعَانَةٌ عَلَى كَفِّهِ عَنِ الظُّلْمِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الزَّجْرُ عَنِ الْمَطْلِ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعَدُّ فِعْلُهُ عَمْدًا كَبِيرَةً أَمْ لَا ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهُ يَفْسُقُ ، لَكِنْ هَلْ يَثْبُتُ فِسْقُهُ بِمَطْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَمْ لَا ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ : مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا اشْتِرَاطُ التَّكْرَارِ ، وَرَدَّهُ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا عَدَمُهُ ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ مَنْعَ الْحَقِّ بَعْدَ طَلَبِهِ وَابْتِغَاءِ الْعُذْرِ عَنْ أَدَائِهِ كَالْغَصْبِ ، وَالْغَصْبُ كَبِيرَةٌ ، وَتَسْمِيَتُهُ ظُلْمًا يُشْعِرُ بِكَوْنِهِ كَبِيرَةً ، وَالْكَبِيرَةُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّكْرَارُ . نَعَمْ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَظْهَرَ عَدَمُ عُذْرِهِ ، انْتَهَى . وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَفْسُقُ بِالتَّأْخِيرِ مَعَ الْقُدْرَةِ قَبْلَ الطَّلَبِ أَمْ لَا ؟ فَالَّذِي يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ الْبَابِ التَّوَقُّفُ عَلَى الطَّلَبِ ؛ لِأَنَّ الْمَطْلَ يُشْعِرُ بِهِ ، وَيَدْخُلُ فِي الْمَطْلِ كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ كَالزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ وَالسَّيِّدِ لِعَبْدِهِ وَالْحَاكِمِ لِرَعِيَّتِهِ وَبِالْعَكْسِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الْأَدَاءِ لَا يَدْخُلُ فِي الظُّلْمِ ، وَهُوَ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنِ الذَّاتِ عِنْدَ انْتِفَاءِ تِلْكَ الصِّفَةِ ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ أَجَابَ بِأَنَّ الْعَاجِزَ لَا يُسَمَّى مَاطِلًا ، وَعَلَى أَنَّ الْغَنِيَّ الَّذِي مَالُهُ غَائِبٌ عَنْهُ لَا يَدْخُلُ فِي الظُّلْمِ ، وَهَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ الْغَنِيِّ أَوْ لَيْسَ هُوَ فِي الْحُكْمِ بِغَنِيٍّ ؟ الْأَظْهَرُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ ، فَلَوْ كَانَ فِي الْحُكْمِ غَنِيًّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ .
وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَنَّ الْمُعْسِرَ لَا يُحْبَسُ وَلَا يُطَالَبُ حَتَّى يُوسِرَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْ جَازَتْ مُؤَاخَذَتُهُ لَكَانَ ظَالِمًا ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَيْسَ بِظَالِمٍ لِعَجْزِهِ . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَهُ أَنْ يُلَازِمَهُ .
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ إِذَا صَحَّتْ ثُمَّ تَعَذَّرَ الْقَبْضُ بِحُدُوثِ حَادِثٍ كَمَوْتٍ أَوْ فَلَسٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الْغِنَى فَائِدَةٌ ، فَلَمَّا شُرِطَتْ عُلِمَ أَنَّهُ انْتَقَلَ انْتِقَالًا لَا رُجُوعَ لَهُ كَمَا لَوْ عَوَّضَهُ عَنْ دَيْنِهِ بِعِوَضٍ ثُمَّ تَلِفَ الْعِوَضُ فِي يَدِ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ يَرْجِعُ عِنْدَ التَّعَذُّرِ ، وَشَبَّهُوهُ بِالضَّمَانِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مُلَازَمَةِ الْمُمَاطِلِ وَإِلْزَامِهِ بِدَفْعِ الدَّيْنِ وَالتَّوَصُّلِ إِلَيْهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَأَخْذِهِ مِنْهُ قَهْرًا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اعْتِبَارِ رِضَى الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ دُونَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ . وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ يُشْتَرَطُ أَيْضًا ، وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّة ، وَفِيهِ الْإِرْشَادُ إِلَى تَرْكِ الْأَسْبَابِ الْقَاطِعَةِ لِاجْتِمَاعِ الْقُلُوبِ ؛ لِأَنَّهُ زَجْرٌ عَنِ الْمُمَاطَلَةِ ، وَهِيَ تُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ .