حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْقَطَائِع

بَاب الْقَطَائِعِ 2376 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَرَادَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ : حَتَّى تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا . قَالَ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْقَطَائِعِ ) جَمْعُ قَطِيعَةٍ تَقُولُ قَطَعْتُهُ أَرْضًا جَعَلْتُهَا لَهُ قَطِيعَةً ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَخُصُّ بِهِ الْإِمَامُ بَعْضَ الرَّعِيَّةِ مِنَ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ فَيَخْتَصُّ بِهِ وَيَصِيرُ أَوْلَى بِإِحْيَائِهِ مِمَّنْ لَمْ يَسْبِقْ إِلَى إِحْيَائِهِ .

وَاخْتِصَاصُ الْإِقْطَاعِ بِالْمَوَاتِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيَّةِ ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ الْإِقْطَاعَ تَسْوِيغُ الْإِمَامِ مِنْ مَالِ اللَّهِ شَيْئًا لِمَنْ يَرَاهُ أَهْلًا لِذَلِكَ ، قَالَ : وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ ، وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا لِمَنْ يَرَاهُ مَا يَحُوزُهُ إِمَّا بِأَنْ يُمَلِّكَهُ إِيَّاهُ فَيُعَمِّرَهُ ، وَإِمَّا بِأَنْ يَجْعَلَ لَهُ غَلَّتَهُ مُدَّةً انْتَهَى . قَالَ السُّبْكِيُّ : وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي يُسَمَّى فِي زَمَانِنَا هَـذَا إِقْطَاعًا ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا ذَكَرَهُ . وَتَخْرِيجُهُ عَلَى طَرِيقٍ فِقْهِيٍّ مُشْكِلٍ .

قَالَ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لِلْمُقْطَعِ بِذَلِكَ اخْتِصَاصٌ كَاخْتِصَاصِ الْمُتَحَجِّرِ ، لَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ بِذَلِكَ انْتَهَى . وَبِهَذَا جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ . وَادَّعَى الْأَذْرَعِيُّ نَفْيَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْإِمَامِ بَعْضَ الْجُنْدِ بِغَلَّةِ أَرْضٍ إِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَوَقَعَ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ لِحَمَّادٍ مِنْ يَحْيَى . قَوْلُهُ : ( أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ) يَعْنِي لِلْأَنْصَارِ . وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ دَعَا الْأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ الْبَحْرَيْنَ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ لِيُقْطِعَ لَهُمُ الْبَحْرَيْنَ أَوْ طَائِفَةً مِنْهَا وَكَأَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ حَمَّادٍ ، فَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِزْيَةِ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرٍ ، عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ دَعَا الْأَنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمُ الْبَحْرَيْنَ وَلَهُمْ فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ يَحْيَى إِلَى أَنْ يُقْطِعَ لَهُمْ الْبَحْرَيْنَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُمْ أقْطَاعًا .

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَوَاتَ مِنْهَا لِيَتَمَلَّكُوهُ بِالْإِحْيَاءِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْعَامِرَ مِنْهَا لَكِنْ فِي حَقِّهِ مِنَ الْخُمُسِ ; لِأَنَّهُ كَانَ تَرَكَ أَرْضَهَا فَلَمْ يَقْسِمْهَا . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّهُمْ بِتَنَاوُلِ جِزْيَتِهَا ، وَبِهِ جَزَمَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي ، وَابْنُ قُرْقُولٍ ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ أَرْضَ الصُّلْحِ لَا تُقْسَمُ فَلَا تُمْلَكُ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : إِنَّمَا يُسَمَّى إِقْطَاعًا إِذَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ أَوْ عَقَارٍ ، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ مِنَ الْفَيْءِ وَلَا يُقْطَعُ مِنْ حَقِّ مُسْلِمٍ وَلَا مُعَاهَدٍ .

قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ الْإِقْطَاعُ تَمْلِيكًا وَغَيْرَ تَمْلِيكٍ ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ إِقْطَاعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَقْطَعَ الدُّورَ يَعْنِي أَنْزَلَ الْمُهَاجِرِينَ فِي دُورِ الْأَنْصَارِ بِرِضَاهُمُ انْتَهَى . وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْخُمُسِ حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ أَرْضًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ يَعْنِي بَعْدَ أَنْ أَجْلَاهُمْ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَلَّكَهُ إِيَّاهَا وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا إِقْطَاعًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يَخُصَّ الْأَنْصَارَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ الْبَحْرَيْنِ ، أَمَّا النَّاجِزُ يَوْمَ عَرْضِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ الْجِزْيَةُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا صَالَحُوا عَلَيْهَا ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَتِ الْفُتُوحُ فَخَرَاجُ الْأَرْضِ أَيْضًا ، وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَرَاضٍ بَعْدَ فَتْحِهَا وَقَبْلَ فَتْحِهَا ، مِنْهَا إِقْطَاعُهُ تَمِيمًا الدَّارِيَّ بَيْتَ إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا فُتِحَتْ فِي عَهْدِ عُمَرَ نَجَزَ ذَلِكَ لِتَمِيمٍ ، وَاسْتَمَرَّ فِي أَيْدِي ذُرِّيَّتِهِ مِنَ ابْنَتِهِ رُقَيَّةَ ، وَبِيَدِهِمْ كِتَابٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرُهُمَا . قَوْلُهُ : ( مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ يَعْنِي سَبَبَ قِلَّةِ الْفُتُوحِ يَوْمَئِذٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الَّتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا ، وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِعْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَقْطَعَ الْمُهَاجِرِينَ أَرْضَ بَنِي النَّضِيرِ . قَوْلُهُ : ( سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَأَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ مِنِ اسْتِئْثَارِ الْمُلُوكِ مِنْ قُرَيْشٍ عَنِ الْأَنْصَارِ بِالْأَمْوَالِ وَالتَّفْضِيلِ فِي الْعَطَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث