حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قِصَاصِ الْمَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِه

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قُلْنَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَنا ، فَمَا تَرَى فِيهِ ؟ فَقَالَ لَنَا : إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ . ثَانِيهِمَا : حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي يَزِيدُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ ضِدُّ الشَّرِّ ، وَاسْمُهُ مَرْثَدٌ بِالْمُثَلَّثَةِ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مِصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( لَا يَقْرُونَنَا ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْقَافِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ : لَا يَقْرُونَا ؛ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَدَّدَهَا . وَلِلتِّرْمِذِيِّ : فَلَا هُـمْ يُضَيِّفُونَنَا ، وَلَا هُـمْ يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ .

قَوْلُهُ : ( فَإِنْ أَبَوْا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَخُذا مِنْهُ ؛ أَيْ مِنْ مَالِهِمْ . وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قِرَى الضَّيْفِ وَاجِبٌ ، وَأَنَّ الْمَنْزُولَ عَلَيْهِ لَوِ امْتَنَعَ مِنَ الضِّيَافَةِ أُخِذَتْ مِنْهُ قَهْرًا . وَقَالَ بِهِ اللَّيْثُ مُطْلَقًا ، وَخَصَّهُ أَحْمَدُ بِأَهْلِ الْبَوَادِي دُونَ الْقُرَى ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : الضِّيَافَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَجْوِبَةٍ ؛ أَحَدُهَا حَمْلُهُ عَلَى الْمُضْطَرِّينَ .

ثُمَّ اخْتَلَفُوا ؛ هَـلْ يَلْزَمُ الْمُضْطَرَّ الْعِوَضُ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ اللُّقَطَةِ . وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ طَلَبَ الشِّرَاءَ مُحْتَاجًا فَامْتَنَعَ صَاحِبُ الطَّعَامِ ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ كَرْهًا قَالَ : وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ مُفَسَّرًا . ثَانِيهَا : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَكَانَتِ الْمُوَاسَاةُ وَاجِبَةً ، فَلَمَّا فُتِحَتِ الْفُتُوحُ نُسِخَ ذَلِكَ ، وَيَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَقِّ الضَّيْفِ : وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَالْجَائِزَةُ تَفَضُّلٌ لَا وَاجِبَةٌ .

وَهَذَا ضَعِيفٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِالتَّفَضُّلِ تَمَامُ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لَا أَصْلُ الضِّيَافَةِ . وَفِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ مَرْفُوعًا : أَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا فَإِنَّ نَصْرَهُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، حَتَّى يَأْخُذَ بِقِرَى لَيْلَتِهِ مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَظْفَرْ مِنْهُ بِشَيْءٍ .

ثَالِثُهَا : أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْعُمَّالِ الْمَبْعُوثِينَ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ ، فَكَانَ عَلَى الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ إِنْزَالُهُمْ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِمُ الَّذِي يَتَوَلَّوْنَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيَامَ لَهُمْ إِلَّا بِذَلِكَ . حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ ، قَالَ : وَكَانَ هَذَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بَيْتُ مَالٍ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَأَرْزَاقُ الْعُمَّالِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، قَالَ : وَإِلَى نَحْوِ هَذَا ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ فِي الضِّيَافَةِ عَلَى أَهْلِ نَجْرَانَ خَاصَّةً . قَالَ : وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ : إِنَّكَ بَعَثْتَنَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : إِنَّا نَمُرُّ بِقَوْمٍ .

رَابِعُهَا : أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَقَدْ شَرَطَ عُمَرُ حِينَ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى نَصَارَى الشَّامِ ضِيَافَةَ مَنْ نَزَلَ بِهِمْ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ ، وَلَا حُجَّةَ لِذَلِكَ فِيمَا صَنَعَهُ عُمَرُ لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ زَمَانِ سُؤَالِ عُقْبَةَ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ . خَامِسُهَا : تَأْوِيلُ الْمَأْخُوذِ ، فَحَكَى الْمَازِرِيُّ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ أَعْرَاضِهِمْ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَذْكُرُوا لِلنَّاسِ عَيْبَهُمْ . وَتَعَقَّبَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ الْأَخْذَ مِنَ الْعِرْضِ وَذِكْرَ الْعَيْبِ نُدِبَ فِي الشَّرْعِ إِلَى تَرْكِهِ لَا إِلَى فِعْلِهِ .

وَأَقْوَى الْأَجْوِبَةِ الْأَوَّلُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ ، وَبِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فَجَزَمَ بِجَوَازِ الْأَخْذِ فِيمَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُ الْحَقِّ بِالْقَاضِي كَأَنْ يَكُونَ غَرِيمُهُ مُنْكِرًا وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ عِنْدَ وُجُودِ الْجِنْسِ ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ أَخْذُهُ إِنْ ظَفِرَ بِهِ وَأَخْذُ غَيْرِهِ بِقَدْرِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْهُ ، وَيَجْتَهِدُ فِي التَّقْوِيمِ وَلَا يَحِيفُ ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْحَقِّ بِالْقَاضِي فَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَازُ أَيْضًا ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْخِلَافُ ، وَجَوَّزَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمِثْلِيِّ دُونَ الْمُتَقَوِّمِ لِمَا يُخْشَى فِيهِ مِنَ الْحَيْفِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ فِي الْأَمْوَالِ لَا فِي الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ لِكَثْرَةِ الْغَوَائِلِ فِي ذَلِكَ ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ فِي الْأَمْوَالِ أَيْضًا مَا إِذَا أَمِنَ الْغَائِلَةَ كَنِسْبَتِهِ إِلَى السَّرِقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث