بَاب إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ عِدَةً ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْه
بَاب إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ وَقَالَ عَبِيدَةُ : إِنْ مَاتَا وَكَانَتْ فُصِلَتْ الْهَدِيَّةُ وَالْمُهْدَى لَهُ حَيٌّ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فُصِلَتْ فَهِيَ لِوَرَثَةِ الَّذِي أَهْدَى وَقَالَ الْحَسَنُ : أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ فَهِيَ لِوَرَثَةِ الْمُهْدَى لَهُ إِذَا قَبَضَهَا الرَّسُولُ 2598 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ : سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ثَلَاثًا ، فَلَمْ يَقْدَمْ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى : مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَنِي فَحَثَى لِي ثَلَاثًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ ) أَيِ الْهَدِيَّةُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوْ وَعَدَ عِدَةً قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْهِبَةِ بِحَالٍ . قُلْتُ : قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ هِبَةً ، وهَذَا مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ ، لَكِنْ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهَا تَصِحُّ بِدُونِ الْقَبْضِ يُسَمِّيهَا هِـبَةً ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ ، وَسَأَذْكُرُ نَقْلَ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ .
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ بِالْعِدَةِ أَيْ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجِبُ مِنْهُ مَا كَانَ بِسَبَبٍ انْتَهَى . وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَمَّا نَقَلَهُ هُوَ عَنْ أَصْبَغَ ، وَعَمَّا سَيَأْتِي فِي الْبُخَارِيِّ الَّذِي تَصَدَّى لِشَرْحِهِ فِي بَابِ مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ فِي أَوَاخِرِ الشَّهَادَاتِ ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ مَا فِيهِ وَالْبَحْثُ فِيهِ فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبِيدَةُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو السَّلْمَانِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ .
قَوْلُهُ : ( إِنْ مَاتَا ) أَيِ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إِلَيْهِ إِلَخْ ، وَتَفْصِيلُهُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ انْفَصَلَتْ أَمْ لَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ قَبْضَ الرَّسُولِ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْهَدِيَّةَ لَا تَنْتَقِلُ إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ إِلَّا بِأَنْ يَقْبِضَهَا أَوْ وَكِيلُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ : أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ فَهِيَ لِوَرَثَةِ الْمُهْدَى لَهُ إِذَا قَبَضَهَا الرَّسُولُ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : قَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِ الْحَسَنِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : إِنْ كَانَ حَامِلُهَا رَسُولَ الْمُهْدِي رَجَعَتْ إِلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ حَامِلُهَا رَسُولَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ .
وَفِي مَعْنَى قَوْلِ عَبِيدَةَ وَتَفْصِيلُهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ وَهِيَ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا : إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ ، وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إِلَّا قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى هَدِيَّتِي إِلَّا مَرْدُودَةً عَلَيَّ ، فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ فَهِيَ لَكِ ، قَالَ : وَكَانَ كَمَا قَالَ . الْحَدِيثَ . وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ .
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي وَفَاءِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لَهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَيْسَ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِجَابِرٍ هِبَةً ، وَإِنَّمَا هِـيَ عِدَةٌ عَلَى وَصْفٍ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ وَعْدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلَفَ نَزَّلُوا وَعْدَهُ مَنْزِلَةَ الضَّمَانِ فِي الصِّحَّةِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَفِيَ وَأَنْ لَا يَفِيَ . قُلْتُ : وَجْهُ إِيرَادِهِ أَنَّهُ نَزَّلَ الْهَدِيَّةَ إِذَا لَمْ تُقْبَضْ مَنْزِلَةَ الْوَعْدِ بِهَا ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ ، ولَكِنْ حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى النَّدْبِ كَمَا سَيَأْتِي .