بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُم
بَاب : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لأَعْنَتَكُمْ : لَأَخرَجَكُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ ، وَعَنَتِ : خَضَعَتْ . 2767 - وَقَالَ لَنَا سُلَيْمَانُ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : مَا رَدَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّةً ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ ، وَكَانَ طَاوُسٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْيَتَامَى قَرَأَ : وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَقَالَ عَطَاءٌ فِي يَتَامَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ : يُنْفِقُ الْوَلِيُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ . قَوْلُهُ : بَابُ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ .
قَوْلُهُ : ( لَأَعْنَتَكُمْ لَأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ : ضَيَّقَ عَلَيْكُمْ وَلَكِنَّهُ وَسَّعَ وَيَسَّرَ ، فَقَالَ : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، يَقُولُ : يَأْكُلُ الْفَقِيرُ إِذَا وَلِيَ مَالَ الْيَتِيمِ بِقَدْرِ قِيَامِهِ عَلَى مَالِهِ وَمَنْفَعَتِهِ مَا لَمْ يُسْرِفْ أَوْ يُبَذِّرْ ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ : لَأَعْنَتَكُمْ : لَأَحْرَجَكُمُ اهـ ، وَقَوْلُهُ : أَعْنَتَكُمْ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْعَنَتِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ ، وَالْهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ أَوْقَعَكُمْ فِي الْعَنَتِ . قَوْلُهُ : ( وَعَنَتْ خَضَعَتْ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا ، وَاسْتَغْرَبَ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِقَوْلِهِ : ( أَعْنَتَكُمْ ) بَلْ هُوَ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْعُنُوِّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْعَنَتِ فِي شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ التَّاءَ فِي الْعَنَتِ أَصْلِيَّةٌ ، وَفِي عَنَتْ لِلتَّأْنِيثِ وَلَامَ الْفِعْلِ مِنْهُ وَاوٌ لَكِنَّهَا ذَهَبَتْ فِي الْوَصْلِ ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ ذَلِكَ هُنَا اسْتِطْرَادًا ، وَتَفْسِيرُ ( عَنَتِ الْوُجُوهُ ) بِخَضَعَتْ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَوْلُهُ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ أَيْ ذَلَّتْ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : عَنَتِ اسْتَأْسَرَتْ ؛ لِأَنَّ الْعَانِيَ هُوَ الْأَسِيرُ ، فَكَأَنَّ مَنْ فَسَّرَهُ بِخَضَعَتْ فَسَّرَهُ بِلَازِمِهِ ؛ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ الْأَسْرِ الذِّلَّةَ وَالْخُضُوعَ غَالِبًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ لَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ .. .
إِلَخْ ) هُوَ مَوْصُولٌ ، وَسُلَيْمَانُ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ ، وَجَرَتْ عَادَةُ الْبُخَارِيِّ الْإِتْيَانَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ فِي الْمَوْقُوفَاتِ غَالِبًا وَفِي الْمُتَابَعَاتِ نَادِرًا ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا إِلَّا فِي الْمُذَاكَرَةِ ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ لِلْإِجَازَةِ . قَوْلُهُ : ( مَا رَدَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّتَهُ ) يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ وَصِيَّةَ مَنْ يُوصِي إِلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ كَأَنَّهُ كَانَ يَبْتَغِي الْأَجْرَ بِذَلِكَ لِحَدِيثِ : أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ الْحَدِيثَ اهـ . وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ الدُّخُولِ فِي الْوَصَايَا أَنْ يَخْشَى التُّهْمَةَ أَوِ الضَّعْفَ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا .
قَوْلُهُ : ( وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ .. . إِلَخْ ) لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَوْصُولًا عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ طَاوُسٌ .. .
إِلَخْ ) وَصَلَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مُصَغَّرٌ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَالِ الْيَتِيمِ يَقْرَأُ : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَطَاءٌ .. . إِلَخْ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَلِي أَمْوَالَ أَيْتَامٍ فِيهِمُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَمَالُهُمْ جَمِيعٌ لَمْ يُقْسَمْ ، قَالَ : يُنْفِقُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِنْ مَالِهِ عَلَى قَدْرِهِ وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ كَانُوا لَا يُخَالِطُونَهُمْ فِي مَطْعَمٍ وَلَا غَيْرِهِ ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ : وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَرَوَى الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لَمَّا نَزَلَتْ : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا عَزَلُوا أَمْوَالَهُمْ عَنْ أَمْوَالِهِمْ ، فَنَزَلَتْ : قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ قَالَ : فَخَلَطُوا أَمْوَالَهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ ، وَهَذَا هُـوَ الْمَحْفُوظُ مَعَ إِرْسَالِهِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ بِذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَاللَّفْظُ لَهُ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ - وَ : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا اجْتَنَبَ النَّاسُ مَالَ الْيَتِيمِ وَطَعَامَهُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَشَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى الْآيَةَ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ مَوْصُولًا أَيْضًا ، وَزَادَ فِيهِ : وَأَحَلَّ لَهُمْ خَلْطَهُمْ ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْمُخَالَطَةُ أَنْ تَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِكَ ، وَتَأْكُلَ مِنْ قَصْعَتِهِ وَيَأْكُلَ مِنْ قَصْعَتِكَ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ مَنْ يَتَعَمَّدُ أَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ وَمَنْ يَتَجَنَّبُهُ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْمُرَادُ بِالْمُخَالَطَةِ أَنْ يَكُونَ الْيَتِيمُ بَيْنَ عِيَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَيَشُقَّ عَلَيْهِ إِفْرَازُ طَعَامِهِ ، فَيَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّهُ كَافِيهِ بِالتَّحَرِّي ، فَيَخْلِطَهُ بِنَفَقَةِ عِيَالِهِ ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ قَدْ تَقَعُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ خَشُوا مِنْ ذَلِكَ ، فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَهُوَ نَظِيرُ النَّهْدِ ، حَيْثُ وَسَّعَ عَلَيْهِمْ فِي خَلْطِ الْأَزْوَادِ فِي الْأَسْفَارِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَةِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .