حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا قِيلَ فِي الْجَرَسِ وَنَحْوِهِ فِي أَعْنَاقِ الْإِبِلِ

بَاب مَا قِيلَ فِي الْجَرَسِ وَنَحْوِهِ فِي أَعْنَاقِ الْإِبِلِ 3005 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا : لَا تبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا قِيلَ فِي الْجَرَسِ وَنَحْوِهِ فِي أَعْنَاقِ الْإِبِلِ ) أَيْ : مِنَ الْكَرَاهَةِ ، وَقَيَّدَهُ بِالْإِبِلِ لِوُرُودِ الْخَيْرِ فِيهَا بِخُصُوصِهَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ) أَيِ : ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَعَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ هُوَ الْمَازِنِيُّ ، وَهُوَ وَشَيْخُهُ وَالرَّاوِي عَنْهُ أَنْصَارِيِّونَ مَدَنِيُّونَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَعَبَّادٌ تَابِعِيَّانِ .

قَوْلُهُ : ( إن أَبَا بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ ) لَيْسَ لِأَبِي بَشِيرٍ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ، فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِيمَنْ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ الْحُرَيْرِ ، بِمُهْمَلَاتٍ ، مُصَغَّرٌ ، ابْنِ عَمْرٍو . ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ وَسَاقَ نَسَبَهُ إِلَى مَازِنٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ نِسْبَةُ أَبِي بَشِيرٍ سَاعِدِيًّا ، فَإِنْ كَانَ قَيْسٌ يُكَنَّى أَبَا بَشِيرٍ أَيْضًا فَهُوَ غَيْرُ صَاحِبِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَبُو بَشِيرٍ الْمَازِنِيُّ هَذَا عَاشَ إِلَى بَعْدِ السِّتِّينَ وَشَهِدَ الْحَرَّةَ وَجُرِحَ بِهَا وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهَا .

قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ ) عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ الرَّاوِي ، وَكَأَنَّهُ شَكَّ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ ، وَلَمْ أَرَهَا مِنْ طَرِيقِهِ إِلَّا هَكَذَا . قَوْلُهُ : ( فَأَرْسَلَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ : أَرْسَلَ مَوْلَاهُ زَيْدًا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِيمَا يَظْهَرُ لِي . قَوْلُهُ : ( فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ ) كَذَا هُنَا بِلَفْظِ أَوْ وَهِيَ لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ بِلَفْظِ : وَلَا قِلَادَةَ وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْمُهَلَّبُ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقِلَادَةِ فَقَالَ : مَا سَمِعْتُ بِكَرَاهَتِهَا إِلَّا فِي الْوَتَرِ ، وَقَوْلُهُ : وَتَرٍ ، بِالْمُثَنَّاةِ ، فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : رُبَّمَا صَحَّفَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ : وَبَرٍ بِالْمُوَحَّدَةِ .

قُلْتُ : حَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ الدَّاوُدِيَّ جَزَمَ بِذَلِكَ وَقَالَ : هُوَ مَا يُنْتَزَعُ عَنِ الْجِمَالِ يُشْبِهُ الصُّوفَ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : فَصُحِّفَ . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَفِي الْمُرَادِ بِالْأَوْتَارِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَلِّدُونَ الْإِبِلَ أَوْتَارَ الْقَسِّيِّ لِئَلَّا تُصِيبَهَا الْعَيْنُ بِزَعْمِهِمْ ، فَأُمِرُوا بِقَطْعِهَا ، إِعْلَامًا بِأَنَّ الْأَوْتَارَ لَا تَرُدُّ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ شَيْئًا ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .

قُلْتُ : وَقَعَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا ، قَالَ مَالِكٌ : أَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْعَيْنِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَفَعَهُ : مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا ، وَالتَّمِيمَةُ : مَا عُلِّقَ مِنَ الْقَلَائِدِ خَشْيَةَ الْعَيْنِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِذَا اعْتَقَدَ الَّذِي قَلَّدَهَا أَنَّهَا تَرُدُّ الْعَيْنَ فَقَدْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرُدُّ الْقَدَرَ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ .

ثَانِيهَا : النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا تَخْتَنِقَ الدَّابَّةُ بِهَا عِنْدَ شِدَّةِ الرَّكْضِ ، وَيُحْكَى ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَلَامُ أَبِي عُبَيْدٍ يُرَجِّحُهُ فَإِنَّهُ قَالَ : نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الدَّوَابَّ تَتَأَذَّى بِذَلِكَ وَيَضِيقُ عَلَيْهَا نَفَسُهَا وَرَعْيُهَا ، وَرُبَّمَا تَعَلَّقَتْ بِشَجَرَةٍ فَاخْتَنَقَتْ أَوْ تَعَوَّقَتْ عَنِ السَّيْرِ . ثَالِثُهَا : أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّقُونَ فِيهَا الْأَجْرَاسَ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مَرْفُوعًا : لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْضًا ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ لَا تَبْقَيَنَّ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ وَلَا جَرَسٍ فِي عُنُقِ بَعِيرٍ إِلَّا قُطِعَ .

قُلْتُ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ ، إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِتَعْلِيقِ الْأَجْرَاسِ فِي رِقَابِ الْخَيْلِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَهْبٍ الْحَسَّانِيِّ رَفَعَهُ : ارْبِطُوا الْخَيْلَ وَقَلِّدُوهَا ، وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ . فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا اخْتِصَاصَ لِلْإِبِلِ ، فَلَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِهَا فِي التَّرْجَمَةِ لِلْغَالِبِ . وَقَدْ حَمَلَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الْأَوْتَارَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَى الثَّأْرِ فَقَالَ : مَعْنَاهُ : لَا تَطْلُبُوا بِهَا ذُحُولَ الْجَاهِلِيَّةِ .

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : ضَعِيفٌ . وَإِلَى نَحْوِ قَوْلِ النَّضْرِ جَنَحَ وَكِيعٌ فَقَالَ : الْمَعْنَى لَا تَرْكَبُوا الْخَيْلَ فِي الْفِتَنِ ، فَإِنَّ مَنْ رَكِبَهَا لَمْ يَسْلَمْ أَنْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وَتَرٌ يُطْلَبُ بِهِ .

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوْتَارِ جَمْعُ الْوَتَرِ ، بِالتَّحْرِيكِ ، لَا الْوَتْرِ بِالْإِسْكَانِ ، مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ رَفَعَهُ : مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ . فَإِنَّهُ عِنْدَ الرُّوَاةِ أَجْمَعَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ ، وَالْجَرَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مَعْرُوفٌ ، وَحَكَى عِيَاضٌ إِسْكَانَ الرَّاءِ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الَّذِي بِالْفَتْحِ اسْمُ الْآلَةِ وَبِالْإِسْكَانِ اسْمُ الصَّوْتِ . وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : الْجَرَسُ مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ .

وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهِيَةَ فِيهِ لِصَوْتِهِ لِأَنَّ فِيهَا شَبَهًا بِصَوْتِ النَّاقُوسِ وَشَكْلِهِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ : الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلْكَرَاهَةِ وَأَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ ، وَقِيلَ : لِلتَّحْرِيمِ ، وَقِيلَ : يُمْنَعُ مِنْهُ قَبْلَ الْحَاجَةِ ، وَيَجُوزُ : إِذَا وَقَعَتِ الْحَاجَةُ . وَعَنْ مَالِكٍ تَخْتَصُّ الْكَرَاهَةُ مِنَ الْقَلَائِدِ بِالْوَتَرِ ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِهَا إِذَا لَمْ يُقْصَدْ دَفْعُ الْعَيْنِ . هَذَا كُلُّهُ فِي تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ قُرْآنٌ وَنَحْوُهُ ، فَأَمَّا مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ فَلَا نَهْيَ فِيهِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُجْعَلُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ وَالتَّعَوُّذِ بِأَسْمَائِهِ وَذِكْرِهِ ، وَكَذَلِكَ لَا نَهْيَ عَمَّا يُعَلَّقُ لِأَجْلِ الزِّينَةِ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْخُيَلَاءَ أَوِ السَّرَفَ .

وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيقِ الْجَرَسِ أَيْضًا . ثَالِثُهَا يَجُوزُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ الصَّغِيرَ مِنْهَا دُونَ الْكَبِيرِ . وَأَغْرَبَ ابْنُ حِبَّانَ فَزَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَصْحَبُ الرُّفْقَةَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْجَرَسُ إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث