حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْجِهَادِ بِإِذْنِ الْأَبَوَيْنِ

بَاب الْجِهَادِ بِإِذْنِ الْأَبَوَيْنِ 3004 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ ، وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ ، فَقَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْجِهَادِ بِإِذْنِ الْأَبَوَيْنِ ) كَذَا أَطْلَقَ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَقَيَّدَهُ بِالْإِسْلَامِ الْجُمْهُورُ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُمَا مَنَعَاهُ ، لَكِنْ لَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي .

قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ ، وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ صَوْمِ دَاوُدَ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ ، وَقَدْ خَالَفَ الْأَعْمَشُ ، شُعْبَةَ فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهْ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، فَلَعَلَّ لِحَبِيبٍ فِيهِ إِسْنَادَيْنِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ بَكْرَ بْنَ بَكَّارٍ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهْ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ جَاهِمَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ ، فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ : أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَدْتُ الْغَزْوَ وَجِئْتُ لِأَسْتَشِيرَكَ . فَقَالَ : هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ ؟ قَالَ نَعَمْ .

قَالَ : الْزَمْهَا ، الْحَدِيثَ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَذَكَرَهُ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ اخْتِلَافًا كَثِيرَا بَيَّنْتُهُ فِي تَرْجَمَةِ جَاهِمَةَ مِنْ كِتَابِي فِي الصَّحَابَةِ . قَوْلُهُ : ( فِيهِمَا فَجَاهِدْ ) أَيْ : خَصِّصْهُمَا بِجِهَادِ النَّفْسِ فِي رِضَاهُمَا ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ التَّعْبِيرِ عَنِ الشَّيْءِ بِضِدِّهِ إِذَا فُهِمَ الْمَعْنَى ، لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ : فَجَاهِدْ ، ظَاهِرُهَا إِيصَالُ الضَّرَرِ الَّذِي كَانَ يَحْصُلُ لِغَيْرِهِمَا لَهُمَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا قَطْعًا ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إِيصَالُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ كُلْفَةِ الْجِهَادِ ، وَهُوَ تَعَبُ الْبَدَنِ وَالْمَالِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُتْعِبُ النَّفْسَ يُسَمَّى جِهَادًا ، وَفِيهِ أَنَّ بِرَّ الْوَالِدِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ ، وَأَنَّ الْمُسْتَشَارَ يُشِيرُ بِالنَّصِيحَةِ الْمَحْضَةِ ، وَأَنَّ الْمُكَلَّفَ يُسْتَفْضَلُ عَنِ الْأَفْضَلِ فِي أَعْمَالِ الطَّاعَةِ لِيُعْمَلَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَ فَضْلَ الْجِهَادِ فَبَادَرَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ لَمْ يَقْنَعْ حَتَّى اسْتَأْذَنَ فِيهِ فَدُلَّ عَلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي حَقِّهِ ، وَلَوْلَا السُّؤَالُ مَا حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ .

وَلِمُسْلِمٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ نَاعِمٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ : ارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا . وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : ارْجِعْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا . وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ : ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ ، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا .

وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : يَحْرُمُ الْجِهَادُ إِذَا مَنَعَ الْأَبَوَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ ، لِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْهِ وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلَا إِذْنَ . وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ، قَالَ : الصَّلَاةُ .

قَالَ : ثُمَّ مَهْ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ . قَالَ : فَإِنَّ لِي وَالِدَيْنِ . فَقَالَ : آمُرُكَ بِوَالِدَيْكَ خَيْرًا .

فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا ، لَأُجَاهِدَنَّ وَلأَتْرُكَنَّهُمَا . قَالَ : فَأَنْتَ أَعْلَمُ . وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى جِهَادِ فَرْضِ الْعَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ .

وَهَلْ يُلْحَقُ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ بِالْأَبَوَيْنِ فِي ذَلِكَ ؟ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ نَعَمْ ، وَالْأَصَحُّ أَيْضًا أَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالرَّقِيقِ فِي ذَلِكَ لِشُمُولِ طَلَبِ الْبِرِّ ، فَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا فَأَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يُعْتَبَرْ إِذْنُ أَبَوَيْهِ ، وَلَهُمَا الرُّجُوعُ فِي الْإِذْنِ إِلَّا إِنْ حَضَرَ الصَّفَّ ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَا أَنْ لَا يُقَاتِلَ فَحَضَرَ الصَّفَّ فَلَا أَثَرَ لِلشَّرْطِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ السَّفَرِ بِغَيْرِ إِذْنِ لِأَنَّ الْجِهَادَ إِذَا مُنِعَ مَعَ فَضِيلَتِهِ فَالسَّفَرُ الْمُبَاحُ أَوْلَى ، نَعَمْ إِنْ كَانَ سَفَرُهُ لِتَعَلُّمِ فَرْضِ عَيْنٍ ، حَيْثُ تَعْيِينُ السَّفَرِ طَرِيقًا إِلَيْهِ ، فَلَا مَنْعَ ، وَإِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ فَفِيهِ خِلَافٌ . وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَتَعْظِيمُ حَقِّهِمَا وَكَثْرَةُ الثَّوَابِ عَلَى بِرِّهِمَا ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث