حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ

بَاب الْحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ 3051 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيْنٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، وَهُوَ فِي سَفَرٍ ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ، ثُمَّ انْفَتَلَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ ، فَقَتَلْتُهُ ، فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ ) هَلْ يَجُوزُ قَتْلُهُ ؟ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ . قَالَ مَالِكٌ يَتَخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ الْحَرْبِ .

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ قُبِلَ مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ : لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ . قَوْلُهُ : ( أَبُو الْعُمَيْسِ ) بِالْمُهْمَلَتَيْنِ ، مُصَغَّرٌ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ إِيَاسٍ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ حَدَّثَنَا إِيَاسٌ . قَوْلُهُ : ( أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ إِيَاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ هَوَازِنَ ، وَسُمِّيَ الْجَاسُوسُ عَيْنًا ؛ لِأَنَّ جُلَّ عَمَلِهِ بِعَيْنِهِ ، أَوْ لِشِدَّةِ اهْتِمَامِهِ بِالرُّؤْيَةِ وَاسْتِغْرَاقِهِ فِيهَا ، كَأَنَّ جَمِيعَ بَدَنِهِ صَارَ عَيْنًا .

قَوْلُهُ : ( فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ : فَلَمَّا طَعِمَ انْسَلَّ ، وَفِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَيَّدَ الْجَمَلَ ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ وَجَعَلَ يَنْظُرُ ، وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ فِي الظَّهْرِ ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ . قَوْلُهُ : ( اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ ) زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْحِمَّانِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ : أَدْرِكُوهُ ؛ فَإِنَّهُ عَيْنٌ زَادَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فِيهِ : فَسَبَقْتُهُمْ إِلَيْهِ فَقَتَلْتُهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَتَلْتُهُ ، فَنَفَلَهُ سَلَبَهُ ) كَذَا فِيهِ ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ ، وَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ : فَنَفَلَنِي وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ ، وَزَادَ هُوَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ الْمَذْكُورِ : فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ ، فَخَرَجْتُ أَعْدُو حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ بِالْأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَأَضْرِبُ رَأْسَهُ ، فَبَدَرَ ، فَجِئْتُ بِرَاحِلَتِهِ وَمَا عَلَيْهَا أَقُودُهَا ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ ؟ قَالُوا : ابْنُ الْأَكْوَعِ ، قَالَ : لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ قَتْلُ عُيُونِ الْمُشْرِكِينَ ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ الْبَاعِثُ عَلَى قَتْلِهِ ، وَأَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَبَادَرَ لِيُعْلِمَ أَصْحَابَهُ فَيَغْتَنِمُونَ غِرَّتَهُمْ ، وَكَانَ فِي قَتْلِهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ قَتْلُ الْجَاسُوسِ الْحَرْبِيِّ الْكَافِرِ ، وَهُوَ بِاتِّفَاقٍ ، وَأَمَّا الْمُعَاهِدُ وَالذِّمِّيُّ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافٌ . أَمَّا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِ فَيَنْتَقِضُ اتِّفَاقًا . وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ : إِنَّ السَّلَبَ كُلَّهُ لِلْقَاتِلِ ، وَأَجَابَ مَنْ قَالَ : لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إِلَّا بِقَوْلِ الْإِمَامِ ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ لَهُمَا ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ بِلَفْظِ : قَامَ رَجُلٌ ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ عَيْنٌ لِلْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : مَنْ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ ، قَالَ : فَأَدْرَكْتُهُ فَقَتَلْتُهُ ، فَنَفَلَنِي سَلَبَهُ .

فَهَذَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ ، بَلْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَوْ قَالَ : الْقَاتِلُ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِمُجَرَّدِ الْقَتْلِ ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ مَزِيدُ فَائِدَةٍ ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ إِنَّمَا ثَبَتَ مِنْ حِينِئِذٍ ، وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ عَامٌّ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ ، فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ ، سَوَاءٌ قَيَّدْنَا ذَلِكَ بِقَوْلِ الْإِمَامِ أَمْ لَا ، وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ابْتِدَاءَ هَذَا الْحُكْمِ كَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ، فَهُوَ مَرْدُودٌ لَكِنْ عَلَى غَيْرِ مَالِكٍ مِمَّنْ مَنَعَهُ ؛ فَإِنَّ مَالِكًا إِنَّمَا نَفَى الْبَلَاغَ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ وَكَانَتْ مُؤْتَةُ قَبْلَ حُنَيْنٍ بِالِاتِّفَاقِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْفِلَ جَمِيعَ مَا أَخَذَتْهُ السَّرِيَّةُ مِنَ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ يَرَاهُ مِنْهُمْ ، وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَنِيمَةً إِلَّا ذَلِكَ السَّلَبُ . قُلْتُ : وَمَا أَبَدَاهُ احْتِمَالًا هُوَ الْوَاقِعُ ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ هَوَازِنَ ، وَقَدِ اشْتُهِرَ مَا وَقَعَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْغَنَائِمِ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : تَرْجَمَ بِالْحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ بِغَيْرِ أمَانٍ ، وَأَوْرَدَ الْحَدِيثَ الْمُتَعَلِّقَ بِعَيْنِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ جَاسُوسُهُمْ ، وَحُكْمُ الْجَاسُوسِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْحَرْبِيِّ الْمُطْلَقِ الدَّاخِلِ بِغَيْرِ أَمَانٍ ، فَالدَّعْوَى أَعَمُّ مِنَ الدَّلِيلِ .

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْجَاسُوسَ الْمَذْكُورَ أَوْهَمَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَهُ أَمَانٌ ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ التَّجسِيسِ انْطَلَقَ مُسْرِعًا ، فَفَطِنَ لَهُ ، فَظَهَرَ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمَانٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث