بَاب كَيْفَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ
بَاب كَيْفَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ 3055 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ ، حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ ، وَقَدْ قَارَبَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ صَيَّادٍ يَحْتَلِمُ ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ ، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَاذَا تَرَى ؟ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ : يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُلِطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا ، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ : هُوَ الدُّخُّ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْسَأْ ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ . قَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي فِيهِ ؛ أَضْرِبْ عُنُقَهُ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ كَيْفَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي ( بَابِ هَلْ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ ) فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، وَوَجْهُ مَشْرُوعِيَّةِ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّبِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ صَيَّادٍ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَحْتَلِمْ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَقُبِلَ لِأَنَّهُ فَائِدَةُ الْعَرْضِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ إِلَخْ ) هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ثَلَاثُ قِصَصٍ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ تَامَّةً : فِي الْجَنَائِزِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، وَهُنَا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، وَفِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ ، وَاقْتَصَرَ فِي الشَّهَادَاتِ عَلَى الثَّانِيَةِ ، وَذَكَرَهَا أَيْضًا فِيمَا مَضَى مِنَ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَاقْتَصَرَ فِي الْفِتَنِ عَلَى الثَّالِثَةِ ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُ أَكْثَرِ مُفْرَدَاتِهِ فِي الْجَنَائِزِ .
وَقَوْلُهُ : قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ : إِلَى جِهَتِهِ ، وَقَوْلُهُ : ( وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ يَحْتَلِمُ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، وَشُعَيْبٍ : وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَاعْتَرَضَ بِهِ ، فَقَالَ : لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ غُلَامًا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحْتَلِمْ . قَوْلُهُ : ( أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانَ ابْنُ صَيَّادٍ مِنْهُمْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِبَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَكِنْ يَدَّعُونَ أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِالْعَرَبِ ، وَفَسَادُ حُجَّتِهِمْ وَاضِحٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا أَقَرُّوا بِأَنَّهُ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ، فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولُهُ إِلَى الْعَرَبِ وَإِلَى غَيْرِهَا تَعَيَّنَ صِدْقُهُ ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ ) فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ : فَقَالَ : أَتَشْهَدُ أَنْتَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ) وَلِلْمُسْتَمْلِي : وَرَسُولِهِ بِالْإِفْرَادِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ ، إِنَّمَا عَرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَامَ عَلَى ابْنِ صَيَّادٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الدَّجَّالَ الْمُحَذَّرَ مِنْهُ . قُلْتُ : وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ ، بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَمْرَهُ كَانَ مُحْتَمَلًا ، فَأَرَادَ اخْتِبَارَهُ بِذَلِكَ فَإِنْ أَجَابَ غَلَبَ تَرْجِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ تَمَادَى الِاحْتِمَالُ ، أَوْ أَرَادَ بِاسْتِنْطَاقِهِ إِظْهَارَ كَذِبِهِ الْمُنَافِي لِدَعْوَى النُّبُوَّةِ ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ أَجَابَهُ بِجَوَابٍ مُنْصِفٍ ، فَقَالَ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : كَانَ ابْنُ صَيَّادٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْكَهَنَةِ ، يُخْبِرُ بِالْخَبَرِ فَيَصِحُّ تَارَةً وَيَفْسُدُ أُخْرَى ، فَشَاعَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْزِلْ فِي شَأْنِهِ وَحْيٌ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُلُوكَ طَرِيقَةٍ يَخْتَبِرُ حَالَهُ بِهَا ، أَيْ : فَهُوَ السَّبَبُ فِي انْطِلَاقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : وَلَدَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ غُلَامًا مَمْسُوحَةٌ عَيْنُهُ ، وَالْأُخْرَى طَالِعَةٌ نَاتِئَةٌ ، فَأَشْفَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الدَّجَّالُ .
وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا : يَمْكُثُ أَبُو الدَّجَّالِ وَأُمُّهُ ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَهُمَا ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَضَرُّ شَيْءٍ ، وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً ، قَالَ : وَنَعَتَهُمَا ، فَقَالَ : أَمَّا أَبُوهُ فَطَوِيلٌ ضَرْبُ اللَّحْمِ كَأَنَّ أَنْفَهُ مِنْقَارٌ ، وَأَمَّا أُمُّهُ ففَرْضَاخَةٌ - أَيْ : بِفَاءِ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ سَاكِنَةٍ وَبِمُعْجَمَتَيْنِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا ضَخْمَةٌ طَوِيلَةُ الْيَدَيْنِ - قَالَ : فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ بِتِلْكَ الصِّفَةِ ، فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ - يَعْنِي ابْنَ صَيَّادٍ - فَإِذَا هُمَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ ، وَلِأَحْمَدَ ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَ : سَلْهَا كَمْ حَمَلَتْ بِهِ ؟ فَقَالَتْ : حَمَلْتُ بِهِ اثَّنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ، فَلَمَّا وَقَعَ صَاحَ صِيَاحَ الصَّبِيِّ ابْنِ شَهْرٍ انْتَهَى ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ فِي إِرَادَةِ اسْتِكْشَافِ أَمْرِهِ . قَوْلُهُ : ( مَاذَا تَرَى ؟ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ : يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَنَحْوِهِ لِمُسْلِمٍ : فَقَالَ : أَرَى حَقًّا وَبَاطِلًا ، وَأَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَهُ : أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا وَلِأَحْمَدَ أَرَى عَرْشًا عَلَى الْبَحْرِ حَوْلَهُ الْحِيتَانُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ لُبِسَ ) بِضَمِّ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، أَيْ : خُلِطَ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ عِنْدَ أَحْمَدَ فَقَالَ : تَعُوذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا .
قَوْلُهُ : ( إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خِبْئًا ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَبِفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزٌ ، وَبِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَمْزٌ ، أَيْ : أَخْفَيْتُ لَكَ شَيْئًا . قَوْلُهُ : ( هُوَ الدُّخُّ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحْكَمِ الْفَتْحَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ الزَّخُّ بِفَتْحِ الزَّايِ بَدَلَ الدَّالِّ وَفَسَّرَهُ بِالْجِمَاعِ ، وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى تَغْلِيظِهِ فِي ذَلِكَ ، وَيَرُدُّهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورِ : فَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ : الدُّخَانَ ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَقَالَ : الدُّخُّ ، وَلِلْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَّأَ لَهُ سُورَةَ الدُّخَانِ ، وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ السُّورَةَ ، وَأَرَادَ بَعْضَهَا ؛ فَإِنَّ عِنْدَ أَحْمَدَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : وَخَبَّأْتُ لَهُ : يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ وَأَمَّا جَوَابُ ابْنِ صَيَّادٍ بِالدُّخِّ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ انْدَهَشَ فَلَمْ يَقَعْ مِنْ لَفْظِ الدُّخَانِ إِلَّا عَلَى بَعْضِهِ ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْآيَةَ حِينَئِذٍ كَانَتْ مَكْتُوبَةً فِي يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَهْتَدِ ابْنُ صَيَّادٍ مِنْهَا إِلَّا لِهَذَا الْقَدْرِ النَّاقِصِ عَلَى طَرِيقَةِ الْكَهَنَةِ ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ أَيْ : قَدْرَ مِثْلِكَ مِنَ الْكُهَّانِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ مِنْ إِلْقَاءِ شَيَاطِينِهِمْ مَا يَحْفَظُونَهُ مُخْتَلَطًا صِدْقُهُ بِكَذِبِهِ . وَحَكَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ أَنَّ السِّرَّ فِي امْتِحَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يَقْتُلُ الدَّجَّالَ بِجَبَلِ الدُّخَانِ ، فَأَرَادَ التَّعْرِيضَ لِابْنِ الصَّيَّادِ بِذَلِكَ ، وَاسْتَبْعَدَ الْخَطَّابِيُّ مَا تَقَدَّمَ ، وَصَوَّبَ أَنَّهُ أَخَبَأَ لَهُ الدُّخَّ ، وَهُوَ نَبْتٌ يَكُونُ بَيْنَ الْبَسَاتِينِ ، وَسَبَبُ اسْتِبْعَادِهِ لَهُ أَنَّ الدُّخَانَ لَا يُخَبَّأُ فِي الْيَدِ وَلَا الْكُمِّ .
ثُمَّ قَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ خَبَّأَ لَهُ اسْمَ الدُّخَانِ فِي ضَمِيرِهِ ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ : كَيْفَ اطَّلَعَ ابْنُ صَيَّادٍ أَوْ شَيْطَانُهُ عَلَى مَا فِي الضَّمِيرِ ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَدَّثَ مَعَ نَفْسِهِ أَوْ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَبِرَهُ ، فَاسْتَرَقَ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ . قَوْلُهُ : ( اخْسَأْ ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ . قَوْلُهُ : ( فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ ) أَيْ : لَنْ تُجَاوِزَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ فِيكَ ، أَوْ مِقْدَارَ أَمْثَالِكَ مِنَ الْكُهَّانِ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : اسْتَكْشَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ ؛ لِيُبَيِّنَ لِأَصْحَابِهِ تَمْوِيهَهُ ؛ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ حَالُهُ عَلَى ضَعِيفٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي الْإِسْلَامِ ، وَمُحَصَّلُ مَا أَجَابَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ عَلَى طَرِيقِ الْفَرْضِ وَالتَّنَزُّلِ : إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ الرِّسَالَةَ وَلَمْ يَخْتَلِطْ عَلَيْكَ الْأَمْرُ آمَنْتُ بِكَ . وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا وَخُلِّطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ فَلَا . وَقَدْ ظَهَرَ كَذِبُكَ وَالْتِبَاسُ الْأَمْرِ عَلَيْكَ ، فَلَا تَعْدُو قَدْرَكَ .
قَوْلُهُ : ( إِنْ يَكُنْ هُوَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : إِنْ يَكُنْهُ عَلَى وَصْلِ الضَّمِيرِ ، وَاخْتَارَ ابْنُ مَالِكٍ جَوَازَهُ ، ثُمَّ الضَّمِيرُ لِغَيْرٍ مَذْكُورٍ لَفْظًا ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي تَخَافُ فَلَنْ تَسْتَطِيعَهُ وَفِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ : أَنْ يَكُنْ هُوَ الدَّجَّالُ . قَوْلُهُ : ( فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : فَلَسْتَ بِصَاحِبِهِ ، إِنَّمَا صَاحِبُهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ . قَوْلُهُ : ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَإِنَّمَا لَمْ يَأْذَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلِهِ مَعَ ادِّعَائِهِ النُّبُوَّةَ بِحَضْرَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ ، وَلِأَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْعَهْدِ ، قُلْتُ : الثَّانِي هُوَ الْمُتَعَيِّنُ ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَفِي مُرْسَلِ عُرْوَةَ : فَلَا يَحِلُّ لَكَ قَتْلُهُ ثُمَّ إِنَّ فِي السُّؤَالِ عِنْدِي نَظَرًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ ، وَإِنَّمَا أَوْهَمَ أَنَّهُ يَدَّعِي الرِّسَالَةَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ دَعْوَى الرِّسَالَةِ دَعْوَى النُّبُوَّةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ الْآيَةَ .