حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب كِتَابَةِ الْإِمَامِ النَّاسَ

بَاب كِتَابَةِ الْإِمَامِ النَّاسَ 3060 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ النَّاسِ ، فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةِ رَجُلٍ ، فَقُلْنَا : نَخَافُ وَنَحْنُ أَلْفٌ وَخَمْسُ مِائَةٍ ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ابْتُلِينَا حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَحْدَهُ وَهُوَ خَائِفٌ . حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ : فَوَجَدْنَاهُمْ خَمْسَ مِائَةٍ . قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : مَا بَيْنَ سِتِّ مِائَةٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةٍ .

قَوْلُهُ : ( بَابُ كِتَابَةِ الْإِمَامِ النَّاسَ ) أَيْ : مِنَ الْمُقَاتِلَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ ، وَالْمُرَادُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ كِتَابَتِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ ) فِي رِوَايَةِ أَبي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَحْصُوا بَدَلَ اكْتُبُوا ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنِ اكْتُبُوا ، وَقَدْ يُفَسَّرُ أَحْصُوا بِـ اكْتُبُوا .

قَوْلُهُ : ( فَقُلْنَا : نَخَافُ ) هُوَ اسْتِفْهَامُ تَعَجُّبٍ ، وَحُذِفَتْ مِنْهُ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ ، وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ فِي رِوَايَتِهِ : فَقَالَ : إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا وَكَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عِنْدَ تَرَقُّبِ مَا يُخَافُ مِنْهُ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ إِلَى أُحُدٍ أَوْ غَيْرِهَا . ثُمَّ رَأَيْتُ فِي شَرْحِ ابْنِ التِّينِ الْجَزْمَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ حَفْرِ الْخَنْدَقِ . وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ احْتِمَالَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَمَّا كَانُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ فِي عَدَدِهِمْ هَلْ كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ أَوْ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، مِمَّا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُ حُذَيْفَةَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ابْتُلِينَا إِلَخْ ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ مِنْ وِلَايَةِ بَعْضِ أُمَرَاءِ الْكُوفَةِ كَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ، حَيْثُ كَانَ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ ، أَوْ لَا يُقِيمُهَا عَلَى وَجْهِهَا ، وَكَانَ بَعْضُ الْوَرِعِينَ يُصَلِّي وَحْدَهُ سِرًّا ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ خَشْيَةً مِنْ وُقُوعِ الْفِتْنَةِ ، وَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ حِينَ أَتَمَّ عُثْمَانُ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقْصُرُ سِرًّا وَحْدَهُ خَشْيَةَ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ أَيَّامَ قَتْلِ عُثْمَانَ ؛ لِأَنَّ حُذَيْفَةَ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ ، وَفِي ذَلِكَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ ، وَقَدْ وَقَعَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ حُذَيْفَةَ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ وَغَيْرِهِ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ : فَوَجَدْنَاهُمْ خَمْسَمِائَةٍ ) يَعْنِي أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ خَالَفَ الثَّوْرَيَّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا السَّنَدِ ، فَقَالَ : خَمْسَمِائَةٍ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْأَلْفَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : مَا بَيْنَ سِتِّمِائَةٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ) أَيْ : أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ خَالَفَ الثَّوْرَيَّ أَيْضًا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْعِدَّةِ ، وَطَرِيقُ أَبِي مُعَاوِيَةَ هَذِهِ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَكَأَنَّ رِوَايَةَ الثَّوْرِيِّ رَجَحَتْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ؛ فَلِذَلِكَ اعْتَمَدَهَا ؛ لِكَوْنِهِ أَحْفَظَهُمْ مُطْلَقًا وَزَادَ عَلَيْهِمْ ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ الْحَافِظِ مُقَدَّمَةٌ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَإِنْ كَانَ أَحْفَظَ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ بِخُصُوصِهِ ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ مُسْلِمٌ عَلَى رِوَايَتِهِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِالْعَدَدِ ، فَقَدَّمَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ الثَّوْرِيِّ ؛ لِزِيَادَتِهَا بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ الِاثْنَيْنِ ، وَلِجَزْمِهَا بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأُمَوِيَّ ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ وَافَقَا أَبَا حَمْزَةَ فِي قَوْلِهِ : خَمْسَمِائَةٍ ، فَتَتَعَارَضُ الْأَكْثَرِيَّةُ وَالْأَحْفَظِيَّةُ ، فَلَا يَخْفَى بَعْدَ ذَلِكَ التَّرْجِيحُ بِالزِّيَادَةِ ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ رُجْحَانُ نَظَرِ الْبُخَارِيِّ عَلَى غَيْرِهِ . وَسَلَكَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ طَرِيقَ الْجَمْعِ فَقَالَ : لَعَلَّهُمْ كُتِبُوا مَرَّاتٍ فِي مَوَاطِنَ .

وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ جَمِيعُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ وَصَبِيٍّ ، وَبِمَا بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ الرِّجَالَ خَاصَّةً ، وَبِالْخَمْسِمِائَةِ الْمُقَاتِلَةَ خَاصَّةً . وَهُوَ أَحْسَنُ مِنَ الْجَمْعِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى : أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ رَجُلٍ ؛ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي أَرَادَ بِقَوْلِهِ : رَجُلٌ نَفْسٌ ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَمْسِمِائَةِ الْمُقَاتِلَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً ، وَبِمَا بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ هُمْ وَمَنْ لَيْسَ بِمُقَاتِلٍ ، وَبِالْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ هُمْ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَالْبَوَادِي . قُلْتُ : وَيَخْدِشُ فِي وُجُوهِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ كُلِّهَا اتِّحَادُ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ وَمَدَارُهُ عَلَى الْأَعْمَشِ بِسَنَدِهِ ، وَاخْتِلَافُ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ كِتَابَةِ دَوَاوِينِ الْجُيُوشِ ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى تَمْيِيزِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْمُقَاتَلَةِ بِمَنْ لَا يَصْلُحُ ، وَفِيهِ وُقُوعُ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْإِعْجَابِ بِالْكَثْرَةِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ الْآيَةَ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْفِقْهِ أَنْ لَا يَتَخَيَّلَ أَنَّ كِتَابَةَ الْجَيْشِ وَإِحْصَاءَ عَدَدِهِ يَكُونُ ذَرِيعَةً ؛ لِارْتِفَاعِ الْبَرَكَةِ ، بَلِ الْكِتَابَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ ، وَالْمُؤَاخَذَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي حُنَيْنٍ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الْإِعْجَابِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث