حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب صِفَةِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ

بَاب صِفَةِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يُقْذَفُونَ : يُرْمَوْنَ . دُحُورًا مَطْرُودِينَ . وَاصِبٌ دَائِمٌ .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَدْحُورًا مَطْرُودًا ، يُقَالُ : مَرِيدًا مُتَمَرِّدًا . بَتَّكَهُ : قَطَّعَهُ . وَاسْتَفْزِزْ اسْتَخِفَّ بِخَيْلِكَ الْفُرْسَانُ .

وَالرَّجْلُ : الرَّجَّالَةُ ، وَاحِدُهَا : رَاجِلٌ ، مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ ، وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ . لأَحْتَنِكَنَّ لَأَسْتَأْصِلَنَّ . قَرِينٌ شَيْطَانٌ .

3268 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا عِيسَى ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ اللَّيْثُ : كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ أَنَّهُ سَمِعَهُ وَوَعَاهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ ، حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا ، وَدَعَا ، ثُمَّ قَالَ : أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي ، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ : مَطْبُوبٌ ، قَالَ : وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ : لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ، قَالَ : فِيمَا ذَا ؟ قَالَ : فِي مُشُطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ . قَالَ : فَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ : فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ : نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ، فَقُلْتُ : اسْتَخْرَجْتَهُ ؟ فَقَالَ : لَا ، أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ ، وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا ، ثُمَّ دُفِنَتْ الْبِئْرُ .

قَوْلُهُ : ( بَابُ صِفَةِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ ) إِبْلِيسُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَقِيلَ : مُشْتَقٌّ مِنْ أَبْلَسَ إِذَا أَيْأَسَ ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : لَوْ كَانَ عَرَبِيًّا لَصُرِفَ كَإِلْكِيلٍ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إِنَّمَا لَمْ يُصْرَفْ وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا لِقِلَّةِ نَظِيرِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَشَبَّهُوهُ بِالْعَجَمِيِّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَوَانِعِ الصَّرْفِ وَبِأَنَّ لَهُ نَظَائِرَ كَإِخْرِيطٍ وَإِصْلِيتٍ ، وَاسْتُبْعِدَ كَوْنُهُ مُشْتَقًّا أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ إِنَّمَا سُمِّيَ إِبْلِيسَ بَعْدَ يَأْسِهِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِطَرْدِهِ وَلَعْنِهِ ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّهُ كَانَ يُسَمَّى بِذَلِكَ قَبْلَ ذَلِكَ ، كَذَا قِيلَ ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ ، لِجَوَازِ أَنْ يُسَمَّى بِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا سَيَقَعُ لَهُ ، نَعَمْ رَوَى الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ اسْمُ إِبْلِيسَ حَيْثُ كَانَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ عَزَازِيلُ ثُمَّ إِبْلِيسُ بَعْدُ . وَهَذَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ الْقَوْلَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْحَارِثُ وَالْحَكَمُ ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُرَّةَ .

وَفِي كِتَابِ لَيْسَ لِابْنِ خَالَوَيْهِ كُنْيَتُهُ أَبُو الْكُرُوبِيِّينَ . وَقَوْلُهُ : وَجُنُودِهِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا قَالَ : إِذَا أَصْبَحَ إِبْلِيسُ بَثَّ جُنُودَهُ فَيَقُولُ : مَنْ أَضَلَّ مُسْلِمًا أَلْبَسْتُهُ التَّاجَ . الْحَدِيثُ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ .

وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : عَرْشُ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ ، فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً . وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ مُسِخَ لَمَّا طُرِدَ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ أَصْلًا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ ، سَيَأْتِي بَيَانُهُمَا فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وَيُقْذَفُونَ : يُرْمَوْنَ ، دُحُورًا : مَطْرُودِينَ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا الْآيَةَ ، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ ، وَهَذِهِ صِفَةُ مَنْ يَسْتَرِقُ السَّمْعَ مِنَ الشَّيَاطِينِ ، وَسَيَأْتِي بيانه فِي التَّفْسِيرِ أَيْضًا .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَدْحُورًا : مَطْرُودًا ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا ؛ اسْتِطْرَادًا لِذِكْرِهِ : دُحُورًا قَبْلَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِإِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ مَرِيدًا مُتَمَرِّدًا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا أَيْ مُتَمَرِّدًا . قَوْلُهُ : ( بَتَكَهُ قَطَعَهُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ أَيْ لَيَقْطَعُنَّ ، يُقَالُ بَتَكَهُ قَطَعَهُ .

قَوْلُهُ : ( وَاسْتَفْزِزْ : اسْتَخِفَّ بِخَيْلِكَ الْفُرْسَانَ ، وَالرَّجْلُ الرَّجَّالَةُ وَاحِدُهَا رَاجِلٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( لَأَحْتَنِكَنَّ : لَأَسْتَأْصِلَنَّ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا يَقُولُ : لَأَسْتَمِيلَنَّهُمْ وَلَأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ يُقَالُ : احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ إِذَا أَخَذَ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ . قَوْلُهُ : ( قَرِينٌ : شَيْطَانٌ ) رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ قَالَ : شَيْطَانٌ ، وَعَنْ غَيْرِ مُجَاهِدٍ خِلَافُهُ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَالسُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ قَالَ شَيَاطِينَ .

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا : الْأَوَّلُ : حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ : سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيثَ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطِّبِّ ، وَوَجْهُ إِيرَادِهِ هُنَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِاسْتِعَانَةِ الشَّيَاطِينِ عَلَى ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ ذَلِكَ هُنَاكَ ، وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الشُّرَّاحِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ : كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ إِلَخْ ) رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي نُسْخَةِ عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْهُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث