حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب خَلْقِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَذُرِّيَّتِهِ

كِتَاب أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ 1 - بَاب خَلْقِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ صَلْصَالٍ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ ، كَمَا يُصَلْصِلُ الْفَخَّارُ ، وَيُقَالُ : مُنْتِنٌ يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ ، كَمَا يُقَالُ صَرَّ الْبَابُ ، وَصَرْصَرَ عِنْدَ الْإِغْلَاقِ ، مِثْلُ كَبْكَبْتُهُ يَعْنِي كَبَبْتُهُ . فَمَرَّتْ بِهِ اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ ، أَلا تَسْجُدَ أَنْ تَسْجُدَ . وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ .

فِي كَبَدٍ فِي شِدَّةِ خَلْقٍ . وَرِيَاشًا : الْمَالُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ : وَهُوَ مَا ظَهَرَ مِنْ اللِّبَاسِ .

مَا تُمْنُونَ النُّطْفَةُ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ النُّطْفَةُ فِي الْإِحْلِيلِ . كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، فَهُوَ شَفْعٌ السَّمَاءُ شَفْعٌ ، وَالْوَتْرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فِي أَحْسَنِ خَلْقٍ .

أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا مَنْ آمَنَ . خُسْرٍ ضَلَالٍ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فقال : إِلَّا مَنْ آمَنَ . لازِبٍ لَازِمٌ .

نُنْشِئُكُمْ فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ . نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ نُعَظِّمُكَ ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَهُوَ قَوْلُهُ : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا فَأَزَلَّهُمَا فَاسْتَزَلَّهُمَا . وَيَتَسَنَّهْ : يَتَغَيَّرْ .

آسِنٌ : مُتَغَيِّرٌ . وَالْمَسْنُونُ : الْمُتَغَيِّرُ . حَمَإٍ جَمْعُ حَمْأَةٍ ، وَهُوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ .

يَخْصِفَانِ أَخْذُ الْخِصَافِ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ وَيَخْصِفَانِ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ . سَوْآتُهُمَا كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا . وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ هَاهُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .

الْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ : مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ . قَبِيلُهُ : جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ . 3326 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، ثُمَّ قَالَ : اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، فَاسْتَمِعْ ، مَا يُحَيُّونَكَ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَالُوا : السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُ اللَّهِ ، فَزَادُوهُ : وَرَحْمَتُ اللَّهِ ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ ، فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ .

قَوْلُهُ : ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : كِتَابُ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ شَبُّوَيْهِ نَحْوَهُ ، وَقَدَّمَ الْآيَةَ الْآتِيَةَ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْبَابِ ، وَوَقَعَ فِي ذِكْرِ عَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا أَنَّهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا ، الرُّسُلُ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ . صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَالْأَنْبِيَاءُ جَمْعُ نَبِيٍّ ، وَقَدْ قُرِئَ بِالْهَمْز ، فَقِيلَ : هُوَ الْأَصْلُ ، وَتَرْكُهُ تَسْهِيلٌ ، وَقِيلَ الَّذِي بِالْهَمْزِ مِنَ النَّبَأِ ، وَالَّذِي بِغَيْرِ هَمْزٍ مِنَ النُّبُوَّةِ وَهِيَ الرِّفْعَةُ ، وَالنُّبُوَّةُ نِعْمَةٌ يَمُنُّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَلَا يَبْلُغُهَا أَحَدٌ بِعِلْمِهِ وَلَا كَشْفِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّهَا بِاسْتِعْدَادِ وِلَايَتِهِ ، وَمَعْنَاهَا الْحَقِيقِيُّ شَرْعًا مَنْ حَصَلَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ .

وَلَيْسَتْ رَاجِعَةٌ إِلَى جِسْمِ النَّبِيِّ وَلَا إِلَى عَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِهِ ، بَلْ وَلَا إِلَى عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا ، بَلِ الْمَرْجِعُ إِلَى إِعْلَامِ اللَّهِ لَهُ بِأَنِّي نَبَّأْتُكَ أَوْ جَعَلْتُكَ نَبِيًّا . وَعَلَى هَذَا فَلَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ كَمَا لَا تَبْطُلُ بِالنَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ خَلْقِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ آثَارًا ، ثُمَّ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ ، وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَغَيْرِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ فَجَعَلَهُ طِينًا ثُمَّ تَرَكَهُ ، حَتَّى إِذَا كَانَ حَمَأً مَسْنُونًا خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ ، حَتَّى إِذَا كَانَ صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ كَانَ إِبْلِيسُ يَمُرُّ بِهِ فَيَقُولُ : لَقَدْ خُلِقْتَ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ ; ثُمَّ نَفَخَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ .

وَكَانَ أَوَّلُ مَا جَرَى فِيهِ الرُّوحَ بَصَرَهُ وَخَيَاشِيمَهُ ، فَعَطَسَ فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ . فَقَالَ اللَّهُ : يَرْحَمُكَ رَبُّكَ ، الْحَدِيثَ . وَفِي الْبَابِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ : مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا : أنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ .

الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَمِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ رَفَعَهُ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ تَرَكَهُ مَا شَاءَ أَنْ يَدَعَهُ ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يَطِيفُ بِهِ ; فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَتَمَالَكُ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ .

وَآدَمُ اسْمٌ سُرْيَانِيٌّ وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ آدَامُ بِإِشْبَاعِ فَتْحَةِ الدَّالِ بِوَزْنِ خَانَامَ وَزنة فَاعَالُ ، وَامْتَنَعَ صَرْفُهُ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ . وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ : التُّرَابُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ آدَامُ ، فَسُمِّيَ آدَمُ بِهِ ، وَحُذِفَتِ الْأَلِفُ الثَّانِيَةُ . وَقِيلَ : هُوَ عَرَبِيٌّ ، جَزَمَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ ، وَالْجَوَالِيقِيُّ .

وَقِيلَ : هُوَ بِوَزْنِ أَفْعَلَ مِنَ الْأَدْمَةِ ، وَقِيلَ : مِنَ الْأَدِيمِ ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ وَهَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنه يَكُونَ كَأَعْيَنَ ، وَمَنْعُ الصَّرْفِ لِلْوَزْنِ وَالْعَلَمِيَّةِ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنْ أَدَمْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا خَلَطْتُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَاءً وَطِينًا فَخُلِطَا جَمِيعًا . قَوْلُهُ : ( صَلْصَالٌ : طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ كَمَا يُصَلْصِلُ الْفَخَّارُ ) هُوَ تَفْسِيرُ الْفَرَّاءِ ، هَكَذَا ذَكَرَهُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الصَّلْصَالُ الْيَابِسُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ نَارٌ ، فَإِذَا نَقَرْتَهُ صَلَّ فَسُمِعَتْ لَهُ صَلْصَلَةٌ ، فَإِذَا طُبِخَ بِالنَّارِ فَهُوَ فَخَّارٌ . وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ فَهُوَ صَلْصَالٌ .

وَرَوَى الطَّبَرِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ : مُنْتِنٌ ، يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ ، كَمَا يَقُولُونَ : صَرَّ الْبَابُ وَصَرْصَرَ عِنْدَ الْإِغْلَاقِ ، مِثْلَ كَبْكَبْتُهُ يَعْنِي كَبَبْتُهُ ) أَمَّا تَفْسِيرُهُ بِالْمُنْتِنِ فَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَرَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُنْتِنَ تَفْسِيرُهُ الْمَسْنُونُ ، وَأَمَّا بَقِيَّتُهُ فَكَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ . قَوْلُهُ : ( فَمَرَّتْ بِهِ : اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ .

قَوْلُهُ : ( أَلا تَسْجُدَ : أَنْ تَسْجُدَ ) يَعْنِي أَنَّ لَا زَائِدَةٌ ، وَأَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَكَذَا قَالَهُ وَزَادَ : وَ لَا مِنْ حُرُوفِ الزَّوَائِدِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَتُلِحِّينَنِي فِي اللَّهْوِ أَنْ لَا أُحِبَّهُ وَلِلَّهْوِ دَاعٍ دَائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ وَقِيلَ : لَيْسَتْ زَائِدَةٌ ، بَلْ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : مَا مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ ، فَحَمَلَكَ عَلَى أَلا تَسْجُدَ ؟ قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ، كَذَا وَقَعَ هُنَا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبُّوَيْهِ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ ، وَهُوَ أَوْلَى ، وَمِثْلُهُ لِلنَّسَفِيِّ ، وَلِبَعْضِهِمْ هُنَا بَابٌ وَالْمُرَادُ بِالْخَلِيفَةِ : آدَمُ ، أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَابِطٍ مَرْفُوعًا ، قَالَ : وَالْأَرْضُ مَكَّةُ ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ مُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ السُّدِّيُّ عَنْ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُمْ يَعْنُونَ بَنِي آدَمَ يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا الْآيَةَ ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ أَنَّهُ خَلِيفَةُ الْمَلَائِكَةِ أَوْ خَلِيفَةُ الْجِنِّ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَنْ سَكَنَهَا قَبْلَ آدَمَ ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ قَالَ : زَعَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ إِذْ فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ صِلَةٌ ، وَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّ جَمِيعَ الْمُفَسِّرِينَ رَدُّوهُ حَتَّى قَالَ الزَّجَّاجُ : إِنَّهَا جَرْأَةٌ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ : لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَزَادَ : إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ مَا زَائِدَةٌ . قَوْلُهُ : ( فِي كَبَدٍ فِي شِدَّةِ خَلْقٍ ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، رَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مَوْلِدَهُ وَنَبَاتَ أَسْنَانِهِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْكَبَدُ الشِّدَّةُ ، قَالَ لَبِيدٌ : يَا عَيْنُ هَلَّا بَكَيْتِ أَرْبَدَ إِذْ قُمْنَا وَقَامَ الْخُصُومُ فِي كَبَدِ قَوْلُهُ : ( وَرِيَاشًا : الْمَالُ ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ ، وَهُوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَزَادَ : تَقُولُ أَعْطَانِي رِيشَهُ أَيْ كِسَوْتَهُ ، قَالَ : وَالرِّيَاشُ أَيْضًا الْمَعَاشُ . قَوْلُهُ : ( مَا تُمْنُونَ : النُّطْفَةُ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ قَالَ : يُقَالُ : أَمْنَى وَمَنَى ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ . وَقَوْلُهُ تُمْنُونَ يَعْنِي النُّطَفَ إِذَا قُذِفَتْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ ( أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَ ذَلِكَ أَمْ نَحْنُ ) .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ النُّطْفَةُ فِي الْإِحْلِيلِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ قَادِرٌ عَلَى رَجْعِ النُّطْفَةِ الَّتِي فِي الْإِحْلِيلِ إِلَى الصُّلْبِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، وَيُعَكِّرُ عَلَى تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ أَنَّ بَقِيَّةَ الْآيَاتِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْإِنْسَانِ وَرَجْعِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْلِهِ : ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ ، السَّمَاءُ شَفْعٌ ، وَالْوِتْرُ اللَّهُ ) وهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ أَيْضًا ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَلَفْظُهُ كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ شَفْعٌ : السَّمَاءُ ، وَالْأَرْضُ ، وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَنَحْوُ هَذَا شَفْعٌ ، وَالْوِتْرُ اللَّهُ وَحْدَهُ ، وَبِهَذَا زَالَ الْإِشْكَالُ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى قَوْلِهِ : السَّمَاءُ شَفْعٌ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّ السَّمَاوَاتِ سَبْعٌ وَالسَّبْعُ لَيْسَ بِشَفْعٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادُ مُجَاهِدٍ ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أن كُلُّ شَيْءٍ لَهُ مُقَابِلٌ يُقَابِلُهُ وَيُذْكَرُ مَعَهُ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ شَفْعٌ ، كَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، إِلَخْ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ ، وَالشَّقَاءُ وَالسَّعَادَةُ ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةُ ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ . وَالْوِتْرُ اللَّهُ .

وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ نَحْوَهُ . وَأُخْرِجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ أَنَّهُ قَالَ : الْوِتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَالشَّفْعُ يَوْمُ الذَّبْحِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَيَّامِ الذَّبْحِ . وَهَذَا يُنَاسِبُ مَا فَسَّرُوا بِهِ قَوْلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ : وَلَيَالٍ عَشْرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ .

قَوْلُهُ : فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فِي أَحْسَنِ خَلْقٍ ، أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا مَنْ آمَنَ ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ ، أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( خُسْرٍ : ضَلَالٍ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ : إِلَّا مَنْ آمَنَ ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا ، قَالَ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ يَعْنِي فِي ضَلَالٍ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ إِلا مَنْ آمَنَ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى ، وَإِلَّا فَالتِّلَاوَةُ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا قَوْلُهُ : ( لَازِبٍ : لَازِمٍ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : مِنْ طِينٍ لازِبٍ قَالَ : لَازِقٍ . وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مِنَ التُّرَابِ وَالْمَاءِ يَصِيرُ طِينًا يَلْزَقُ .

وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ بِاللَّازِمِ فَكَأَنَّهُ بِالْمَعْنَى ، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : مَعْنَى اللَّازِبِ اللَّازِمُ ، قَالَ النَّابِغَةُ : وَلَا يَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لَازِبِ أَيْ لَازِمٍ . قَوْلُهُ : ( نُنْشِئَكُمْ فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَقَوْلُهُ : فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ هُوَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ : مَا لا تَعْلَمُونَ قَوْلُهُ : نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ نُعَظِّمُكَ ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ ، نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : فَتَلَقَّى آدَمُ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَاتِ أَنَّ هَذَا التَّلَقِّيَ كَانَ قَبْلَ الْهُبُوطِ ؛ لِأَنَّ بَعْدَهُ : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ : قُلْنَا اهْبِطُوا كَانَ سَابِقًا لِلتَّلَقِّي ، وَلَيْسَ فِي الْآيَاتِ صِيغَةُ تَرْتِيبٍ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ فَأَزَلَّهُمَا اسْتَزَلَّهُمَا ، وَيَتَسَنَّهْ : يَتَغَيَّرُ . آسِنٍ الْمَسْنُونُ الْمُتَغَيِّرُ . حَمَإٍ جَمْعُ حَمْأَةٍ وَهُوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هِيَ مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَكَأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ : وَقَالَ غَيْرُهُ .

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ بِحَذْفِ قَالَ فَكَأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ أَشْكَلُ . وَقَوْلُهُ : فَأَزَلَّهُمَا أَيْ دَعَاهُمَا إِلَى الزَّلَّةِ ، وَإِيرَادُ قَوْلِهِ يَتَسَنَّهْ يَتَغَيَّرُ فِي أَثْنَاءِ قِصَّةِ آدَمَ ذُكِرَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْمَسْنُونِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ : إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا - بَعْدَ أَنْ قَالَ : إِنَّ تَفْسِيرَ يَتَسَنَّهْ وَ آسِنٍ - : لَعَلَّهُ ذَكَرَهُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِقَوْلِهِ مَسْنُونٍ وَفِي هَذَا تَكْثِيرٌ لِحَجْمِ الْكِتَابِ لَا لِتَكْثِيرِ الْفَوَائِدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَقْصُودِهِ . قُلْتُ : وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الشَّارِحِ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى الْأَصْلِ بِمِثْلِ هَذَا ، وَلَا ارْتِيَابَ فِي أَنَّ إِيرَادَ شَرْحِ غَرِيبِ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ فَوَائِدُ ، وَادِّعَاؤُهُ نَفْيَ تكثير الْفَائِدَةِ مَرْدُودٌ ، وَهَذَا الْكِتَابُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ مَوْضُوعِهِ إِيرَادَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ فَهِمُوا مِنْ إِيرَادِهِ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ : أَنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابُهُ جَامِعًا لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ ، وَمِنْ جُمْلَةِ الدِّرَايَةِ شَرْحُ غَرِيبِ الْحَدِيثِ .

وَجَرَتْ عَادَتُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا وَرَدَتْ فِيهِ لَفْظَةٌ غَرِيبَةٌ وَقَعَتْ أَوْ أَصْلُهَا أَوْ نَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يَشْرَحَ اللَّفْظَةَ الْقُرْآنِيَّةَ ، فَيُفِيدُ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ وَتَفْسِيرَ الْحَدِيثِ مَعًا ، وَلَمَّا لَمْ يَجِدْ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَحَادِيثَ تُوَافِقُ شَرْطَهُ سَدَّ مَكَانَهَا بِبَيَانِ تَفْسِيرِ الْغَرِيبِ الْوَاقِعِ فِي الْقُرْآنِ ، فَكَيْفَ يَسُوغُ نَفْيُ الْفَائِدَةِ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( يَخْصِفَانِ أَخَذَ الْخِصَافَ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ وَيَخْصِفَانِ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : يَخْصِفَانِ قَالَ : يُرَقِّعَانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ خَصَفْتُ النَّعْلَ أَيْ خَرَزْتُهَا . قَوْلُهُ : ( سَوْآتِهِمَا كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا .

قَوْلُهُ : وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ الْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ ، وَهُوَ هُنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ أَيْ إِلَى وَقْتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( قَبِيلُهُ جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ وَقَبِيلُهُ قَالَ : الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا ، أَفْرَدَ الْأَخِيرَ مِنْهَا بِبَابٍ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، كَذَا في وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْ مَعْمَرٍ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، فَقَالَ : خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَأْتِي فِي أَوَّلِ الِاسْتِئْذَانِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْعِتْقِ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الضَّمِيرَ لِآدَمَ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَدَهُ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي خَلَقَهُ عَلَيْهَا ، لَمْ يَنْتَقِلْ فِي النَّشْأَةِ أَحْوَالًا ، وَلَا تَرَدَّدَ فِي الْأَرْحَامِ أَطْوَارًا كَذُرِّيَّتِهِ ، بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ رَجُلًا كَامِلًا سَوِيًّا مِنْ أَوَّلِ مَا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، فَعَادَ الضَّمِيرُ أَيْضًا عَلَى آدَمَ ، وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى صُورَتِهِ : أَيْ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي خَلْقِهِ أَحَدٌ ، إِبْطَالًا لِقَوْلِ أَهْلِ الطَّبَائِعِ .

وَخُصَّ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ : ( سِتُّونَ ذِرَاعًا ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَدْرِ الذِّرَاعِ الْمُتَعَارَفِ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ ذِرَاعَ كُلِّ أَحَدٍ بِقَدْرِ رُبُعِهِ فَلَوْ كَانَ بِالذِّرَاعِ الْمَعْهُودِ لَكَانَتْ يَدُهُ قَصِيرَةً فِي جَنْبِ طُولِ جَسَدِهِ قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ : اذْهَبْ فَسَلِّمْ ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الِاسْتِئْذَانِ . قَوْلُهُ : ( فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ ) أَيْ عَلَى صِفَتِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صِفَاتِ النَّقْصِ مِنْ سَوَادٍ وَغَيْرِهِ تَنْتَفِي عِنْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ هُنَا : وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، وَإِثْبَاتُ الْوَاوِ فِيهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ طُولُهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ طُولُهُ إِلَخْ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : كَانَ طُولُ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا ، وَأَمَّا مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا : أَنَّ آدَمَ لَمَّا أُهْبِطَ كَانَتْ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ ، فَحَطَّهُ اللَّهُ إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ مُفْرِطَ الطُّولِ فِي ابْتِدَاءِ خَلْقِهِ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ خُلِقَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ عَلَى طُولِ سِتِّينَ ذِرَاعًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا : أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طُوَالًا كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سُحُوقٌ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ ) أَيْ أَنَّ كُلَّ قَرْنٍ يَكُونُ نَشَأْتُهُ فِي الطُّولِ أَقْصَرَ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَانْتَهَى تَنَاقُصُ الطُّولِ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ .

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : قَوْلُهُ : فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ ؛ أَيْ كَمَا يَزِيدُ الشَّخْصُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وَلَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ السَّاعَتَيْنِ وَلَا الْيَوْمَيْنِ حَتَّى إِذَا كَثُرَتِ الْأَيَّامُ تَبَيَّنَ ، فَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ فِي النَّقْصِ ، وَيَشْكُلُ عَلَى هَذَا مَا يُوجَدُ الْآنَ مِنْ آثَارِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ كَدِيَارِ ثَمُودَ فَإِنَّ مَسَاكِنَهُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَامَاتِهِمْ لَمْ تَكُنْ مُفْرِطَةَ الطُّولِ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ التَّرْتِيبُ السَّابِقُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عَهْدَهُمْ قَدِيمٌ ، وَأَنَّ الزَّمَانَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ آدَمَ دُونَ الزَّمَانِ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي إِلَى الْآنَ مَا يُزِيلُ هَذَا الْإِشْكَالِ .

ورد في أحاديث7 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث