بَاب إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى الْآيَةَ
بَاب إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى الْآيَةَ لَتَنُوءُ لَتُثْقِلُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أُولِي الْقُوَّةِ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنْ الرِّجَالِ ، يُقَالُ : الْفَرِحِينَ الْمَرِحِينَ ، وَيْكَأَنَّ اللَّهَ مِثْلُ : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى الْآيَةَ ) هُوَ قَارُونُ بْنُ يصفد بْنِ يصهر ابْنِ عَمِّ مُوسَى ، وَقِيلَ : كَانَ عَمَّ مُوسَى ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّ مُوسَى قَالَ : وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، النَّخَعِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ بَغْيِ قَارُونَ فَقِيلَ : الْحَسَدُ ، لِأَنَّهُ قَالَ : ذَهَبَ مُوسَى وَهَارُونُ بِالْأَمْرِ فَلَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ .
وَقِيلَ إنَّهُ وَاطَأَ امْرَأَةً مِنَ الْبَغَايَا أَنْ تَقْذِفَ مُوسَى بِنَفْسِهَا فَأَلْهَمَهَا اللَّهُ أَنِ اعْتَرَفَتْ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ . وَقِيلَ الْكِبْرُ لِأَنَّهُ طَغَى بِكَثْرَةِ مَالِهِ . وَقِيلَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَطَالَ ثِيَابَهُ حَتَّى زَادَتْ عَلَى قَامَتِهِ شِبْرًا .
قَوْلُهُ : لَتَنُوءُ لَتَثْقُلَ ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ يَقُولُ تَثْقُلُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أُولِي الْقُوَّةِ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ ) وَاخْتُلِفَ فِي الْعُصْبَةِ فَقِيلَ عَشَرَةٌ ، وَقِيلَ : خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَقِيلَ : أَرْبَعُونَ ، وَقِيلَ : مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى أَرْبَعِينَ . قَوْلُهُ : الْفَرِحِينَ الْمَرِحِينَ ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ أَيِ الْمَرِحِينَ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَبْطَرُونَ فَلَا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ .
قَوْلُهُ : ( وَيْكَأَنَّ اللَّهَ ، مِثْلُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : وَيْكَأَنَّ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْبَبْ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرّ وَذَهَبَ قُطْرُبٌ إِلَى أَنَّ وَيْ كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ وَ كَأَنَّ حَرْفُ تَشْبِيهٍ ، وَعَنِ الْفَرَّاءِ هِيَ كَلِمَةٌ مَوْصُولَةٌ . قَوْلُهُ : يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ يُوَسِّعُ وَيُكْثِرُ ، وَفِي قَوْلِهِ : وَيَقْدِرُ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَيْ ضَاقَ . ( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ فِي قِصَّةِ قَارُونَ إِلَّا هَذِهِ الْآثَارَ ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَطْ .
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ مُوسَى يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ بِكَذَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى قَارُونَ فَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : إِنَّ مُوسَى يَقُولُ : مَنْ زَنَى رُجِمَ ، فَتَعَالَوْا نَجْعَلُ لِبَغِيٍّ شَيْئًا حَتَّى تَقُولَ إِنَّ مُوسَى فَعَلَ بِهَا فَيُرْجَمُ فَنَسْتَرِيحُ مِنْهُ ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ ، فَلَمَّا خَطَبَهُمْ مُوسَى قَالُوا لَهُ : وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَالَ : وَإِنْ كُنْتُ أَنَا . فَقَالُوا : فَقَدْ زَنَيْتَ ، فجزع ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَرْأَةِ فَلَمَّا جَاءَتْ عَظُمَ عَلَيْهَا مُوسَى ، وَسَأَلَهَا بِالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا صَدَقَتْ ، فَأَقَرَّتْ بِالْحَقِّ ، فَخَرَّ مُوسَى سَاجِدًا يَبْكِي ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : إِنِّي أَمَرْتُ الْأَرْضَ أَنْ تُطِيعَكَ فَأْمُرْهَا بِمَا شِئْتَ ، فَأَمَرَهَا فَخَسَفَتْ بِقَارُونَ وَمَنْ مَعَهُ . وَكَانَ مِنْ قِصَّةِ قَارُونَ أَنَّهُ حَصَّلَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً جِدًّا حَتَّى قِيلَ : كَانَتْ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِهِ كَانَتْ مِنْ جُلُودٍ تُحْمَلُ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا وَكَانَ يَسْكُنُ تِنِّيسَ ، فَحُكِيَ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزَ الْحَرُورِيَّ ظَفِرَ بِبَعْضِ كُنُوزِ قَارُونَ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى تِنِّيسَ ، فَلَمَّا مَاتَ تَأَمَّرَ ابْنُهُ عَلِيٌّ مَكَانَهُ وَتَوَرَّعَ ابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ذَلِكَ فَيُقَالُ : إِنَّ عَلِيًّا كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْحَسَنِ إِنِّي اسْتَطَيبْتُ لَكَ مِنْ مَالِ أَبِيكَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ فَخُذْهَا فَقَالَ : أَنَا تَرَكْتُ الْكَثِيرَ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَطِبْ لِي فَكَيْفَ آخُذُ هَذَا الْقَلِيلَ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الصَّحِيحِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذَا .