حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا

بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ ؛ لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ ، وَمِثْلُهُ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ وَاسْأَلْ الْعِيرَ ، يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ ، وَأَهْلَ الْعِيرِ . وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ . يُقَالُ : إِذَا لَمْ تقْضِ حَاجَتَهُ : ظَهَرْتَ حَاجَتِي ، وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا .

قَالَ : الظِّهْرِيُّ : أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ . مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ . يَغْنَوْا يَعِيشُوا .

يأْيسَ : يحْزَنْ ، آسَى أَحْزَنُ . وَقَالَ الْحَسَنُ : إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَيْكَةُ : الْأَيْكَةُ .

يَوْمِ الظُّلَّةِ إِظْلَالُ الْغَمَامِ : الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا هُوَ شُعَيْبُ بْنُ ميكيل بْنِ يشجر بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ ، كَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَا يَثْبُتُ . وَقِيلَ : يشجر بْنُ عنقا بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ .

وَقِيلَ : هُوَ شُعَيْبُ بْنُ صفور بْنِ عنقا بْنِ ثَابِتِ بْنِ مَدْيَنَ . وَكَانَ مَدْيَنُ مِمَّنْ آمَنَ بِإِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُحْرِقَ . وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ : هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَمُحَمَّدٌ فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنَ الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ .

وَقِيلَ : إِنَّهُ مِنْ بَنِي عَنَزَةَ بْنِ أَسَدٍ ، فَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَنَزِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْتَسَبَ إِلَى عَنَزَةَ فَقَالَ : نِعْمَ الْحَيُّ عَنَزَةُ مَبْغِيٌّ عَلَيْهِمْ مَنْصُورُونَ رَهْطُ شُعَيْبٍ وَأَخْتَانُ مُوسَى . أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَجَاهِيلُ . قَوْلُهُ : ( إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ ، لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ وَمِثْلُهُ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ - وَاسْأَلِ الْعِيرَ ) يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ .

قَوْلُهُ : وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ ، وَيُقَالُ إِذَا لَمْ تُقْضَ حَاجَتُهُ ظَهَرْتَ حَاجَتِي وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا قَالَ : الظِّهْرِيُّ أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا أَيْ أَلْقَيْتُمُوهُ خَلْفَ ظُهُورِكُمْ فَلَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ ، وَتَقُولُ لِلَّذِي لَا يَقْضِي حَاجَتَكَ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا : ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي وَجَعَلْتَهَا ظِهْرِيَّةً ، أَيْ خَلْفَ ظَهْرِكَ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَجَدْنَا بَنِي الْبَرْصَاءِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ ، أَيْ مِنَ الَّذِينَ يُظَهِّرُونَ بِهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِمْ . قَوْلُهُ : ( مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ ) هَكَذَا وَقَعَ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ مَكَانَتِكُمْ فِي قَوْلِهِ : وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ثُمَّ هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يس فِي قَوْلِهِ : مَكَانَتِهِمْ الْمَكَانُ وَالْمَكَانَةُ وَاحِدٌ . قَوْلُهُ : يَغْنَوْا يَعِيشُوا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَيْ لَمْ يَنْزِلُوا فِيهَا وَلَمْ يَعِيشُوا فِيهَا ، قَالَ : وَالْمَغْنَى الدَّارُ ، الْجَمْعُ مَغَانِي ، يَغنِي بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ .

قَوْلُهُ : تَأْسَ تَحْزَنْ ، آسَى أَحْزَنُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : فَكَيْفَ آسَى أَيْ أَحْزَنُ وَأَنْدَمُ وَأَتَوَجَّعُ الْأَسَى ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : تَأْسَ يحْزَنْ فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا اسْتِطْرَادًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ : إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِهَذَا ، وَأَرَادَ الْحَسَنُ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ وَمُرَادُهُمْ عَكْسُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَيْكَةُ الْأَيْكَةُ ، يَوْمِ الظُّلَّةِ إِظْلَالِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( كَذَّبَ أَصْحَابُ لَيْكَةِ ) كَذَا قَرَأَهَا ، وَهِيَ قِرَاءَةُ أَهْلِ مَكَّةَ ابْنِ كَثِيرٍ وَغَيْرِهِ ، وَفِي قَوْلِهِ : عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ قَالَ : إِظْلَالُ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ .

( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ سِوَى هَذِهِ الْآثَارِ ، وَهِيَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي فَقَطْ . قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّتَهُ فِي الْأَعْرَافِ وَهُودٍ وَالشُّعَرَاءِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَغَيْرِهَا ، وَجَاءَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى أُمَّتَيْنِ : أَصْحَابِ مَدْيَنَ وَأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ ، وَرَجَّحَ بِأَنَّهُ وُصِفَ فِي أَصْحَابِ مَدْيَنَ بِأَنَّهُ أَخُوهُمْ بِخِلَافِ أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ وَقَالَ فِي أَصْحَابِ مَدْيَنَ ( أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ - وَالصَّيْحَةُ ) وَفِي أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ أَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ مَدْيَنَ هُمْ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ، وَأَجَابُوا عَنْ تَرْكِ ذِكْرِ الْأُخُوَّةِ فِي أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَيْكَةَ وَوَقَعَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ بِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ نَاسَبَ أَنْ لَا يَذْكُرَ الْأُخُوَّةَ ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُغَايَرَةَ فِي أَنْوَاعِ الْعَذَابِ إِنْ كَانَتْ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فِي الْمُعَذَّبِينَ فَلْيَكُنِ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالرَّجْفَةِ غَيْرَ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالصَّيْحَةِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ جَمِيعُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ أَصَابَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ فَخَرَجُوا مِنَ الْبُيُوتِ فَأَظَلَّتْهُمْ سَحَابَةٌ فَاجْتَمَعُوا تَحْتَهَا فَرَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِمْ وَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ فَوْقِهِمْ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْأَيْكَةِ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث