حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ، سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ قال : سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، قَالَ عِمْرَانُ : فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ؟ ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ السَّكَنِ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَالنَّضْرُ هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ ، وَأَبُو جَمْرَةَ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ صَاحِبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدَّثَ هُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ مِثْلِهِ . قَوْلُهُ : ( خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ) أَيْ أَهْلُ قَرْنِي ، وَالْقَرْنُ أَهْلُ زَمَانٍ وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ اشْتَرَكُوا فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ ، وَيُقَالُ : إِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا اجْتَمَعُوا فِي زَمَنِ نَبِيٍّ أَوْ رَئِيسٍ يَجْمَعُهُمْ عَلَى مِلَّةٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَيُطْلَقُ الْقَرْنُ عَلَى مُدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِهَا مِنْ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ لَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالسَّبْعِينَ وَلَا بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ .

وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الثَّلَاثِينَ وَالثَّمَانِينَ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَرْنَ مِائَةٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : الْقَرْنُ أُمَّةٌ هَلَكَتْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَثَبَتَ الْمِائَةُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ وَهِيَ مَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ الْخَمْسِينَ وَذَكَرَ مِنْ عَشْرٍ إِلَى سَبْعِينَ ثُمَّ قَالَ : هَذَا هُوَ الْقَدْرُ الْمُتَوَسِّطُ مِنْ أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَنٍ ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَقَالَ : إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَقْرَانِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الْمُخْتَلِفُ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِمَّنْ قَالَ : إِنَّ الْقَرْنَ أَرْبَعُونَ فَصَاعِدًا ، أَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُ دُونَ ذَلِكَ فَلَا يَلْتَئِمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْمُرَادُ بِقَرْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحَابَةُ . وَقَدْ سَبَقَ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ : وَبُعِثَ فِي خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ ، وَفِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ : خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الَّذِي بَيْنَ الْبَعْثَةِ وَآخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِائَةُ سَنَةٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً أَوْ دُونَهَا أَوْ فَوْقَهَا بِقَلِيلٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي وَفَاةِ أَبِي الطُّفَيْلِ ، وَإِنِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ تِسْعِينَ أَوْ سَبْعًا وَتِسْعِينَ ، وَأَمَّا قَرْنُ التَّابِعِينَ فَإِنِ اعْتُبِرَ مِنْ سَنَةِ مِائَةٍ كَانَ نَحْوَ سَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ ، وَأَمَّا الَّذِينَ بَعْدَهُمْ فَإِنِ اعْتُبِرَ مِنْهَا كَانَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ مُدَّةَ الْقَرْنِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَاتَّفَقُوا أَنَّ آخِرَ مَنْ كَانَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِمَّنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَنْ عَاشَ إِلَى حُدُودِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًا ، وَأَطْلَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا ، وَرَفَعَتِ الْفَلَاسِفَةُ رُؤْسَهَا ، وَامْتُحِنَ أَهْلُ الْعِلْمِ لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، وَتَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ تَغَيُّرًا شَدِيدًا ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ فِي نَقْصٍ إِلَى الْآنِ . وَظَهَرَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ ، ظُهُورًا بَيِّنًا حَتَّى يَشْمَلَ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ وَالْمُعْتَقَدَاتِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) أَيِ الْقَرْنُ الَّذِي بَعْدَهُمْ وَهُمُ التَّابِعُونَ ( ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) وَهُمْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ ، وَاقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثُ أَنْ تَكُونَ الصَّحَابَةُ أَفْضَلَ مِنَ التَّابِعِينَ وَالتَّابِعُونَ أَفْضَلَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ ، لَكِنْ هَلْ هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَجْمُوعِ أَوِ الْأَفْرَادِ ؟ مَحَلُّ بَحْثٍ ، وَإِلَى الثَّانِي نَحَا الْجُمْهُورُ ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ قَاتَلَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فِي زَمَانِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ أَنْفَقَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِسَبَبِهِ لَا يَعْدِلُهُ فِي الْفَضْلِ أَحَدٌ بَعْدَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ ذَلِكَ فَهُوَ مَحَلُّ الْبَحْثِ ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا الْآيَةَ .

وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِحَدِيثِ : مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ لَهُ طُرُقٌ قَدْ يَرْتَقِي بِهَا إِلَى الصِّحَّةِ ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَعَزَاهُ فِي فَتَاوِيهِ إِلَى مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، مَعَ أَنَّهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِإِسْنَادٍ أَقْوَى مِنْهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَأَجَابَ عَنْهُ النَّوَوِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْحَالُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ الَّذِينَ يُدْرِكُونَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيَرَوْنَ فِي زَمَانِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَانْتِظَامِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَدَحْضِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ ، فَيَشْتَبِهُ الْحَالُ عَلَى مَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ أَيُّ الزَّمَانَيْنِ خَيْرٌ ، وَهَذَا الِاشْتِبَاهُ مُنْدَفِعٌ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ أَحَدِ التَّابِعِينَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُدْرِكَنَّ الْمَسِيحُ أَقْوَامًا إِنَّهُمْ لَمِثْلُكُمْ أَوْ خَيْرٌ - ثَلَاثًا - وَلَنْ يُخْزِيَ اللَّهُ أُمَّةً أَنَا أَوَّلُهَا وَالْمَسِيحُ آخِرُهَا . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَفَعَهُ : تَأْتِي أَيَّامٌ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ ، قِيلَ : مِنْهُمْ أَوْ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَلْ مِنْكُمْ وَهُوَ شَاهِدٌ لِحَدِيثِ : مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ ، وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا بِحَدِيثِ عُمَرَ رَفَعَهُ : أَفْضَلُ الْخَلْقِ إِيمَانًا قَوْمٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي ، الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ وَغَيْرُهُ ، لَكِنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ .

وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُمْعَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا ؟ أَسْلَمْنَا مَعَكَ ، وَجَاهَدْنَا مَعَكَ . قَالَ : قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ . وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّ السَّبَبَ فِي كَوْنِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ خَيْرَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ كَانُوا غُرَبَاءَ فِي إِيمَانِهِمْ لِكَثْرَةِ الْكُفَّارِ حِينَئِذٍ وَصَبْرِهِمْ عَلَى أَذَاهُمْ وَتَمَسُّكِهِمْ بِدِينِهِمْ ، قَالَ : فَكَذَلِكَ أَوَاخِرُهُمْ إِذَا أَقَامُوا الدِّينَ وَتَمَسَّكُوا بِهِ وَصَبَرُوا عَلَى الطَّاعَةِ حِينَ ظُهُورِ الْمَعَاصِي وَالْفِتَنِ كَانُوا أَيْضًا عِنْدَ ذَلِكَ غُرَبَاءَ ، وَزَكَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَمَا زَكَتْ أَعْمَالُ أُولَئِكَ .

وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، وَقَدْ تُعُقِّبَ كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنْ يَكُونَ فِيمَنْ يَأْتِي بَعْدَ الصَّحَابَةِ مَنْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقُرْطُبِيُّ ، لَكِنَّ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي كَلَامِهِ بِاسْتِثْنَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ . نَعَمْ وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ فَضِيلَةَ الصُّحْبَةِ لَا يَعْدِلُهَا عَمَلٌ لِمُشَاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَمَّا مَنِ اتَّفَقَ لَهُ الذَّبُّ عَنْهُ وَالسَّبْقُ إِلَيْهِ بِالْهِجْرَةِ أَوِ النُّصْرَةِ وَضَبْطِ الشَّرْعِ الْمُتَلَقَّى عَنْهُ وَتَبْلِيغِهِ لِمَنْ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَعْدِلُهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدَهُ ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ خَصْلَةٍ مِنَ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ إِلَّا وَلِلَّذِي سَبَقَ بِهَا مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، فَظَهَرَ فَضْلُهُمْ . وَمُحَصَّلُ النِّزَاعِ يَتَمَحَّضُ فِيمَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الْمُشَاهَدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَإِنْ جُمِعَ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ مُتَّجَهًا ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ : لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ، لَا يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ زِيَادَةِ الْأَجْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْأَفْضَلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ ، وَأَيْضًا فَالْأَجْرُ إِنَّمَا يَقَعُ تَفَاضُلُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُمَاثِلُهُ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ فَأَمَّا مَا فَازَ بِهِ مَنْ شَاهَدَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ زِيَادَةِ فَضِيلَةِ الْمُشَاهَدَةِ فَلَا يَعْدِلُهُ فِيهَا أَحَدٌ ، فَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ يُمْكِنُ تَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُمْعَةَ فَلَمْ تَتَّفِقِ الرُّوَاةُ عَلَى لَفْظِهِ ، فَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِلَفْظِ الْخَيْرِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِلَفْظِ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ مِنْ قَوْمٍ أَعْظَمَ مِنَّا أَجْرًا ؟ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَإِسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَقْوَى مِنْ إِسْنَادِ الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَهِيَ تُوَافِقُ حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ) وَقَعَ مِثْلُ هَذَا الشَّكِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَجَاءَ فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ بِغَيْرِ شَكٍّ ، مِنْهَا عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَعَنْ مَالِكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ ، ثُمَّ الثَّانِي ، ثُمَّ الثَّالِثُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ ، وَسَمَّوَيْهِ مَا يُفَسَّرُ بِهِ هَذَا السُّؤَالُ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ بِلَالِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ فَقَالَ : أَنَا وَقَرْنِي ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَلِلطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ رَفَعَهُ : خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا مِنْهُمْ ، ثُمَّ الثَّانِي ، ثُمَّ الثَّالِثُ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ إِثْبَاتُ الْقَرْنِ الرَّابِعِ وَلَفْظُهُ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثم الذين يلونهم ، ثُمَّ الْآخَرُونَ أَرْدَأُ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، إِلَّا أَنَّ جَعْدَةَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْمًا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِبَعْضِهِمْ قَوْمٌ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ النَّاسِخِ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ لَا يَكْتُبُ الْأَلِفَ فِي الْمَنْصُوبِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ إِنَّ تَقْرِيرِيَّةٌ بِمَعْنَى نَعَمْ وَفِيهِ بُعْدٌ وَتَكَلُّفٌ .

وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَعْدِيلِ أَهْلِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ مَنَازِلُهُمْ فِي الْفَضْلِ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ وَالْأَكْثَرِيَّةِ ، فَقَدْ وُجِدَ فِيمَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْقَرْنَيْنِ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْمَذْكُورَةُ الْمَذْمُومَةُ لَكِنْ بِقِلَّةٍ ، بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَثُرَ فِيهِمْ وَاشْتُهِرَ ، وَفِيهِ بَيَانُ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ وَهُمْ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ أَيْ يَكْثُرُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ قَالَهُ الْمَازَرِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي شَرْحُهُ فِي الشَّهَادَاتِ .

ورد في أحاديث12 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث