بَاب قِصَّةِ الْبَيْعَةِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ
بَاب قِصَّةِ الْبَيْعَةِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه وَفِيهِ مَقْتَلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا 3700 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِأَيَّامٍ بِالْمَدِينَةِ ووَقَفَ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ : كَيْفَ فَعَلْتُمَا ؟ أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قَدْ حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ ؟ قَالَا : حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ ، مَا فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ . قَالَ : انْظُرَا أَنْ تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ . قَالَا : لَا ، فَقَالَ عُمَرُ : لَئِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ لَأَدَعَنَّ أَرَامِلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَحْتَجْنَ إِلَى رَجُلٍ بَعْدِي أَبَدًا .
قَالَ : فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا رَابِعَةٌ حَتَّى أُصِيبَ . قَالَ : إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ - وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ : اسْتَوُوا ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ ، وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ أَوْ النَّحْلَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ - فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : قَتَلَنِي - أَوْ أَكَلَنِي - الْكَلْبُ ، حِينَ طَعَنَهُ ، فَطَارَ الْعِلْجُ بِسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ ، لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا إِلَّا طَعَنَهُ ، حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا ، فَلَمَّا ظَنَّ الْعِلْجُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ ، وَتَنَاوَلَ عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ ، فَمَنْ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رَأَى الَّذِي أَرَى ، وَأَمَّا نَوَاحِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلَاةً خَفِيفَةً ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، انْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي ، فَجَالَ سَاعَةً ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : غُلَامُ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ : الصَّنَعُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : قَاتَلَهُ اللَّهُ ، لَقَدْ أَمَرْتُ بِهِ مَعْرُوفًا ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مِيتَتِي بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ ، قَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ الْعُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَكْثَرَهُمْ رَقِيقًا ، فَقَالَ : إِنْ شِئْتَ فَعَلْتُ - أَيْ إِنْ شِئْتَ قَتَلْنَا - . قَالَ : كَذَبْتَ ، بَعْدَمَا تَكَلَّمُوا بِلِسَانِكُمْ ، وَصَلَّوْا قِبْلَتَكُمْ ، وَحَجُّوا حَجَّكُمْ ؟ فَاحْتُمِلَ إِلَى بَيْتِهِ ، فَانْطَلَقْنَا مَعَهُ ، وَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ ، فَقَائِلٌ يَقُولُ : لَا بَأْسَ ، وَقَائِلٌ يَقُولُ : أَخَافُ عَلَيْهِ ، فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ ، فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ ، فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ مَيِّتٌ ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ، وَجَاءَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيْهِ ، وَجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ لَكَ ، مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ، ثُمَّ وَلِيتَ فَعَدَلْتَ ، ثُمَّ شَهَادَةٌ .
قَالَ : وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَفَافٌ لَا عَلَيَّ وَلَا لِي ، فَلَمَّا أَدْبَرَ إِذَا إِزَارُهُ يَمَسُّ الْأَرْضَ ، قَالَ : رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلَامَ . قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، ارْفَعْ ثَوْبَكَ ، فَإِنَّهُ أَبْقَى لِثَوْبِكَ وَأَتْقَى لِرَبِّكَ ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، انْظُرْ مَا عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهُ ، قَالَ : إِنْ وَفَى لَهُ مَالُ آلِ عُمَرَ فَأَدِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَإِلَّا فَسَلْ فِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ فَإِنْ لَمْ تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَسَلْ فِي قُرَيْشٍ وَلَا تَعْدُهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ ، فَأَدِّ عَنِّي هَذَا الْمَالَ ، انْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْ : يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلَامَ ، وَلَا تَقُلْ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا ، وَقُلْ : يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ ، فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي ، فَقَالَ : يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السَّلَامَ وَيَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ ، فَقَالَتْ : كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي ، وَلَأُوثِرَنَّه بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي ، فَلَمَّا أَقْبَلَ قِيلَ : هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ جَاءَ ، قَالَ : ارْفَعُونِي ، فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا لَدَيْكَ ؟ قَالَ : الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَذِنَتْ . قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِذَا أَنَا قَضَيْتُ فَاحْمِلُونِي ، ثُمَّ سَلِّمْ ، فَقُلْ : يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَأَدْخِلُونِي ، وَإِنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ .
وَجَاءَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ وَالنِّسَاءُ تَسِيرُ مَعَهَا ، فَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قُمْنَا فَوَلَجَتْ عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ، وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ ، فَوَلَجَتْ دَاخِلًا لَهُمْ ، فَسَمِعْنَا بُكَاءَهَا مِنْ الدَّاخِلِ ، فَقَالُوا : أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اسْتَخْلِفْ . قَالَ : مَا أَجِدُ أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ - أَوْ الرَّهْطِ - الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ ، فَسَمَّى : عَلِيًّا ، وَعُثْمَانَ ، وَالزُّبَيْرَ ، وَطَلْحَةَ ، وَسَعْدًا ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَقَالَ : يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ - كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ - فَإِنْ أَصَابَتْ الْإِمْرَةُ سَعْدًا فَهُوَ ذَاكَ ، وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ . وَقَالَ : أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ ، وَيَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ ، وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَأَنْ يُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ ، وَأُوصِيهِ بِأَهْلِ الْأَمْصَارِ خَيْرًا ، فَإِنَّهُمْ رِدْءُ الْإِسْلَامِ ، وَجُبَاةُ الْمَالِ وَغَيْظُ الْعَدُوِّ ، وَأَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ إِلَّا فَضْلُهُمْ عَنْ رِضَاهُمْ ، وَأُوصِيهِ بِالْأَعْرَابِ خَيْرًا ، فَإِنَّهُمْ أَصْلُ الْعَرَبِ وَمَادَّةُ الْإِسْلَامِ ، أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ ، وَيُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ ، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ ، فَلَمَّا قُبِضَ خَرَجْنَا بِهِ فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي فَسَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ : يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : قَالَتْ : أَدْخِلُوهُ ، فَأُدْخِلَ فَوُضِعَ هُنَالِكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ ، فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ : قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَلِيٍّ ، فَقَالَ طَلْحَةُ : قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عُثْمَانَ ، وَقَالَ سَعْدٌ : قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَيُّكُمَا تَبَرَّأَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ لَيَنْظُرَنَّ أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ ؟ فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَفَتَجْعَلُونَهُ إِلَيَّ وَاللَّهُ عَلَيَّ أَنْ لَا آلُ عَنْ أَفْضَلِكُمْ ؟ قَالَا : نَعَمْ .
فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَالَ : لَكَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَدَمُ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ، فَاللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ ، وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ ، ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ قَالَ : ارْفَعْ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ ، فَبَايَعَهُ ، فَبَايَعَ لَهُ عَلِيٌّ ، وَوَلَجَ أَهْلُ الدَّارِ فَبَايَعُوهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قِصَّةِ الْبَيْعَةِ ) أَيْ بَعْدَ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( وَالِاتِّفَاقُ عَلَى عُثْمَانَ ) زَادَ السَّرَخْسِيُّ فِي رِوَايَتِهِ : وَمَقْتَلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ) هُوَ الْأَزْدِيُّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ بِطُولِهِ قَدْ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَيْضًا أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ ابن أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْحَارِثِ ، وَابْنِ سَعْدٍ ، وَفِي رِوَايَتِهِ زَوَائِدُ لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ حُصَيْنٍ . وَرَوَى بَعْضَ قِصَّةِ مَقْتَلِ عُمَرَ أَيْضًا أَبُو رَافِعٍ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى ، وَابْنِ حِبَّانَ ، وَجَابِرٌ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَرِوَايَتُهُ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ ، وَمَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَعِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ ( بِأَيَّامٍ ) أَيْ أَرْبَعَةٍ كَمَا سَيَأْتِي .
قَوْلُهُ : ( بِالْمَدِينَةِ ) أَيْ بَعْدَ أَنْ صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْحَجِّ ، وَفِيهِ قِصَّةُ صُهَيْبٍ ، وَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ بِنَحْوِ ذَلِكَ ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ بِالِاتِّفَاقِ . قَوْلُهُ : ( وَوَقَفَ عَلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ : كَيْفَ فَعَلْتُمَا ؟ أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قَدْ حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ ) الْأَرْضُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا هِيَ أَرْضُ السَّوَادِ ، وَكَانَ عُمَرُ بَعَثَهُمَا يَضْرِبَانِ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ وَعَلَى أَهْلِهَا الْجِزْيَةُ ، بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْمَذْكُورِ ، وَقَوْلُهُ انْظُرَا أَيْ فِي التَّحْمِيلِ ، أَوْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَذَرِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّظَرَ . قَوْلُهُ : ( قَالَا حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَوْ شِئْتُ لَأَضْعَفْتُ أَرْضِي أَيْ : جَعَلْتُ خَرَاجَهَا ضِعْفَيْنِ ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ : لَقَدْ حَمَّلْتُ أَرْضِي أَمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ .
وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ : أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ : لَئِنْ زِدْتُ عَلَى كُلِّ رَأْسٍ دِرْهَمَيْنِ وَعَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامٍ لَأَطَاقُوا ذَلِكَ ، قَالَ : نَعَمْ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَقَائِمٌ ) أَيْ فِي الصَّفِّ نَنْتَظِرُ صَلَاةَ الصُّبْحِ . قَوْلُهُ : ( مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ ) أَيْ عُمَرَ ( إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ : إِلَّا رَجُلَانِ .
قَوْلُهُ : ( وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ : اسْتَوُوا ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ ) أَيْ فِي الصُّفُوفِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِيهِمْ أَيْ فِي أَهْلِهَا ( خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ : وَكَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ تَأَخَّرَ بَيْنَ كُلِّ صَفَّيْنِ ، فَقَالَ : اسْتَوُوا ، حَتَّى لَا يَرَى خَلَلًا ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ وَيُكَبِّرُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ : شَهِدْتُ عُمَرَ يَوْمَ طُعِنَ ، فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَكُونَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ إِلَّا هَيْبَتُهُ ، وَكَانَ رَجُلًا مَهِيبًا ، وَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ ، وَكَانَ عُمَرُ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَسْتَقْبِلَ الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ بِوَجْهِهِ ، فَإِنْ رَأَى رَجُلًا مُتَقَدِّمًا مِنَ الصَّفِّ أَوْ مُتَأَخِّرًا ضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَنِي مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( قَتَلَنِي - أَوْ أَكَلَنِي - الْكَلْبُ ، حِينَ طَعَنَهُ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ : فَتَقَدَّمَ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ كَبَّرَ فَطَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ ، فَقَالَ : قَتَلَنِي الْكَلْبُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةِ : فَعَرَضَ لَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، فَتَأَخَّرَ عُمَرُ غَيْرَ بَعِيدٍ ، ثُمَّ طَعَنَهُ ثَلَاثَ طَعَنَاتٍ ، فَرَأَيْتُ عُمَرَ قَائِلًا بِيَدِهِ هَكَذَا يَقُولُ : دُونَكُمُ الْكَلْبُ فَقَدْ قَتَلَنِي ، وَاسْمُ أَبِي لُؤْلُؤَةَ ، فَيْرُوزُ كَمَا سَيَأْتِي ، فَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى الزُّهْرِيِّ قَالَ : كَانَ عُمَرُ لَا يَأْذَنُ لِسَبْيٍ قَدِ احْتَلَمَ فِي دُخُولِ الْمَدِينَةِ ، حَتَّى كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ يَذْكُرُ لَهُ غُلَامًا عِنْدَهُ صَانِعًا وَيَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْمَدِينَةَ وَيَقُولُ : إِنَّ عِنْدَهُ أَعْمَالًا تَنْفَعُ النَّاسَ ، إِنَّهُ حَدَّادٌ نَقَّاشٌ نَجَّارٌ ، فَأَذِنَ لَهُ ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ الْمُغِيرَةُ كُلَّ شَهْرٍ مِائَةً ، فَشَكَا إِلَى عُمَرَ شِدَّةَ الْخَرَاجِ ، فَقَالَ لَهُ : مَا خَرَاجُكَ بِكَثِيرٍ فِي جَنْبِ مَا تَعْمَلُ ، فَانْصَرَفَ سَاخِطًا ، فَلَبِثَ عُمَرُ لَيَالِيَ ، فَمَرَّ بِهِ الْعَبْدُ فَقَالَ : أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَقُولُ : لَوْ أَشَاءُ لَصَنَعْتُ رَحًى تَطْحَنُ بِالرِّيحِ ؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ عَابِسًا فَقَالَ : لَأَصْنَعَنَّ لَكَ رَحًى يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَا ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَالَ : تَوَعَّدَنِي الْعَبْدُ ، فَلَبِثَ لَيَالِيَ ثُمَّ اشْتَمَلَ عَلَى خِنْجَرٍ ذِي رَأْسَيْنِ نِصَابُهُ وَسَطُهُ فَكَمَنَ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْمَسْجِدِ فِي الْغَلَسِ حَتَّى خَرَجَ عُمَرُ يُوقِظُ النَّاسَ : الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ ، وَكَانَ عُمَرُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ عُمَرُ وَثَبَ إِلَيْهِ فَطَعَنَهُ ثَلَاثَ طَعَنَاتٍ إِحْدَاهُنَّ تَحْتَ السُّرَّةِ قَدْ خَرَقَتِ الصِّفَاقَ وَهِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ : كَانَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عَبْدًا لِلْمُغِيرَةِ ، وَكَانَ يَسْتَغِلُّهُ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ - أَيْ كُلَّ يَوْمٍ - فَلَقِيَ عُمَرَ فَقَالَ : إِنَّ الْمُغِيرَةَ أَثْقَلَ عَلَيَّ ، فَقَالَ : اتَّقِ اللَّهَ وَأَحْسِنْ إِلَيْهِ ، وَمِنْ نِيَّةِ عُمَرَ أَنْ يَلْقَى الْمُغِيرَةَ فَيُكَلِّمَهُ فَيُخَفِّفَ عَنْهُ ، فَقَالَ الْعَبْدُ : وَسِعَ النَّاسَ عَدْلُهُ غَيْرِي ، وَأَضْمَرَ عَلَى قَتْلِهِ ، فَاصْطَنَعَ لَهُ خِنْجَرًا لَهُ رَأْسَانِ وَسَمَّهُ ، فَتَحَرَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ حَتَّى قَامَ عُمَرُ ، فَقَالَ : أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ، فَلَمَّا كَبَّرَ طَعَنَهُ فِي كَتِفِهِ وَفِي خَاصِرَتِهِ فَسَقَطَ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ : أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ فَقَالَ : رَأَيْتُ دِيكًا نَقَرَنِي ثَلَاثَ نَقَرَاتٍ ، وَلَا أَرَاهُ إِلَّا حُضُورَ أَجَلِي ، وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ ، عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ ، وَزَادَ : فَمَا مَرَّ إِلَّا تِلْكَ الْجُمْعَةُ حَتَّى طُعِنَ ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ ذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَزَادَ فَحَدَّثْتُهَا أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ ، فَحَدَّثَتْنِي أَنَّهُ يَقْتُلُنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَعَاجِمِ .
وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ الْمَدِينَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ : أَنَّ عُمَرَ دَخَلَ بِأَبِي لُؤْلُؤَةَ الْبَيْتَ لِيُصْلِحَ لَهُ ضَبَّةً لَهُ ، فَقَالَ لَهُ : مُرِ الْمُغِيرَةَ أَنْ يَضَعَ عَنِّي مِنْ خَرَاجِي ، قَالَ : إِنَّكَ لَتَكْسِبُ كَسْبًا كَثِيرًا فَاصْبِرْ الْحَدِيثُ . وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ ، عُمَرَ طَعْنَتَيْنِ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الثَّالِثَةَ الَّتِي قَتَلَتْهُ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا ) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ : اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مَعَهُ ، وَهُوَ ثَالِثُ عَشَرَ ، زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ : وَعَلَى عُمَرَ إِزَارٌ أَصْفَرُ قَدْ رَفَعَهُ عَلَى صَدْرِهِ ، فَلَمَّا طُعِنَ قَالَ : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا .
قَوْلُهُ : ( مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ ) أَيْ وَعَاشَ الْبَاقُونَ ، وَوَقَفْتُ مِنْ أَسْمَائِهِمْ عَلَى كُلَيْبِ بْنِ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيُّ وَلَهُ وَلِإِخْوَتِهِ عَاقِلٍ ، وَعَامِرٍ ، وَإِيَاسٍ صُحْبَةٌ ، فَرُوِّينَا فِي جُزْءِ أَبِي الْجَهْمِ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عُمَرَ صَادِرًا مِنَ الْحَجِّ ، فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ فَدَفَنَهَا كُلَيْبٌ اللَّيْثِيُّ فَشَكَرَ لَهُ ذَلِكَ عُمَرُ ، وَقَالَ : أَرْجُو أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ ، قَالَ : فَطَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ لَمَّا طَعَنَ عُمَرَ فَمَاتَ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ نَحْوَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ : طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَمَاتَ مِنْهُمْ عُمَرُ ، وَكُلَيْبٌ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي قِصَّةِ قَتْلِ عُمَرَ : فَطَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ ، كُلَيْبَ بْنَ الْبُكَيْرِ فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا ) وَقَعَ فِي ذَيْلِ الِاسْتِيعَابِ لِابْنِ فَتْحُونَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ : فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يُقَالُ لَهُ : حِطَّانُ التَّمِيمِيُّ الْيَرْبُوعِيُّ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مُنْقَطِعٍ قَالَ : طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ نَفَرًا فَأَخَذَ أَبَا لُؤْلُؤَةَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ ، وَهَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ الزُّهْرِيَّانِ وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ ، وَطَرَحَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ خَمِيصَةً كَانَتْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ اشْتَرَكُوا فِي ذَلِكَ .
وَرَوَى سَعْدٌ ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَوْفٍ الْمَذْكُورَ احْتَزَّ رَأْسَ أَبِي لُؤْلُؤَةَ . قَوْلُهُ : ( وَتَنَاوَلَ عمر يد عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ ) أَيْ لِلصَّلَاةِ بِالنَّاسِ . قَوْلُهُ : ( فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلَاةً خَفِيفَةً ) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ بِأَقْصَرَ سُورَتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾وَ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَذْكُورِ : ثُمَّ غَلَبَ عُمَرَ النَّزْفُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ ، فَاحْتَمَلْتُهُ فِي رَهْطٍ حَتَّى أَدْخَلْتُهُ بَيْتَهُ فَلَمْ يَزَلْ فِي غَشْيَتِهِ حَتَّى أَسْفَرَ فَنَظَرَ فِي وُجُوهِنَا فَقَالَ : أَصَلَّى النَّاسُ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ .
قَالَ : لَا إِسْلَامَ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الصبح ، فَقَرَأَ فِي الْأُولَى : وَالْعَصْرِ وَفِي الثَّانِيَةِ : يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ قَالَ : وَتَسَانَدَ إِلَيَّ وَجُرْحُهُ يَثْعبُ دَمًا ، إِنِّي لِأَضَعُ إصْبعِي الْوُسْطَى فَمَا تَسُدُّ الْفَتْقَ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ انْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي ) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ : فَقَالَ عُمَرُ : يَا عَبْدُ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ اخْرُجْ فَنَادِ فِي النَّاسِ : أَعَنْ مَلَأٍ مِنْكُمْ كَانَ هَذَا ؟ فَقَالُوا : مَعَاذَ اللَّهِ ، مَا عَلِمْنَا وَلَا اطَّلَعْنَا ، وَزَادَ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ : فَظَنَّ عُمَرُ أَنَّ لَهُ ذَنْبًا إِلَى النَّاسِ لَا يَعْلَمُهُ فَدَعَا ابْنَ عَبَّاسٍ - وَكَانَ يُحِبُّهُ وَيُدْنِيهِ - فَقَالَ : أُحِبُّ أَنْ تَعْلَمَ عَنْ مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ كَانَ هَذَا ؟ فَخَرَجَ لَا يَمُرُّ بِمَلَأٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَهُمْ يَبْكُونَ ، فَكَأَنَّمَا فَقَدُوا أَبْكَارَ أَوْلَادِهِمْ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَرَأَيْتُ الْبِشْرَ فِي وَجْهِهِ . قَوْلُهُ : ( الصَّنَعَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنِ سَعْدٍ : الصَّنَاعُ بِتَخْفِيفِ النُّونِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : رَجُلٌ صَنَعُ الْيَدِ وَاللِّسَانِ ، وَامْرَأَةٌ صَنَاعُ الْيَدِ ، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ : الصَّنَاعُ وَالصَّنَعُ : يَقَعَانِ مَعًا عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ .
قَوْلُهُ : ( لَمْ يَجْعَلٌ مِيتَتِي ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ أَيْ قِتْلَتِي ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : مَنِيَّتِي بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( رَجُلٌ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ : فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ قَاتِلِي يُحَاجُّنِي عِنْدَ اللَّهِ بِسَجْدَةٍ سَجَدَهَا لَهُ قَطُّ ، وَفِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ : يُحَاجُّنِي بِقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا قَتَلَ مُتَعَمِّدًا تُرْجَى لَهُ الْمَغْفِرَةُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يُغْفَرُ لَهُ أَبَدًا ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَاتَلَهُ اللَّهُ ، لَقَدْ أَمَرْتُ بِهِ مَعْرُوفًا أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَحِفْ عَلَيْهِ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ : فَقَالَ عُمَرُ : لَا تَعْجَلُوا عَلَى الَّذِي قَتَلَنِي ، فَقِيلَ : إِنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ ، فَاسْتَرْجَعَ عُمَرُ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ . قَوْلُهُ : ( قَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ الْعُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ : هَذَا مِنْ عَمَلِ أَصْحَابِكَ ، كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا عِلْجٌ مِنَ السَّبْيِ فَغَلَبْتُمُونِي ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : مَنْ أَصَابَنِي ؟ قَالُوا : أَبُو لُؤْلُؤَةَ وَاسْمُهُ فَيْرُوزُ .
قَالَ : قَدْ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْهَا مِنْ عُلُوجِهِمْ أَحَدًا فَعَصَيْتُمُونِي ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ ، وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِعُمَرَ لَمَّا قَالَ : لَا تُدْخِلُوا عَلَيْنَا مِنَ السَّبْيِ إِلَّا الْوُصَفَاءَ : إِنَّ عَمَلَ الْمَدِينَةِ شَدِيدٌ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالْعُلُوجِ . قَوْلُهُ : ( إِنْ شِئْتَ فَعَلْتُ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : إِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ عُمَرَ لَا يَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ . قَوْلُهُ : ( كَذَبْتَ ) هُوَ عَلَى مَا أُلِفَ مِنْ شِدَّةِ عُمَرَ فِي الدِّينِ ؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ : إِنْ شِئْتَ فَعَلْنَا أَيْ قَتَلْنَاهُمْ فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ : كَذَبْتَ فِي مَوْضِعِ أَخْطَأْتَ ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ : بَعْدَ أَنْ صَلَّوْا لِعِلْمِهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ ، وَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّمَا أَرَادَ قَتْلَ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ .
قَوْلُهُ : ( فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ ) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ : لِيَنْظُرَ مَا قَدْرُ جُرْحِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ : فَلَمَّا أَصْبَحَ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّبِيبُ فَقَالَ : أَيُّ الشَّرَابِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : النَّبِيذُ ، فَدَعَا بِنَبِيذٍ فَشَرِبَ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ ، فَقَالَ : هَذَا صَدِيدٌ ائْتُونِي بِلَبَنٍ ، فَأُتِيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ ، فَقَالَ الطَّبِيبُ : أَوْصِ فَإِنِّي لَا أَظُنُّكَ إِلَّا مَيِّتًا مِنْ يَوْمِكَ أَوْ مِنْ غَدٍ . قَوْلُهُ : ( فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : مِنْ جُرْحِهِ وَهِيَ أَصْوَبُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ : فَخَرَجَ النَّبِيذُ فَلَمْ يُدْرَ أَهُوَ نَبِيذٌ أَمْ دَمٌ ، وَفِي رِوَايَتِهِ : فَقَالُوا : لَا بَأْسَ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : إِنْ يَكُنِ الْقَتْلُ بَأْسًا فَقَدْ قُتِلْتُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ : قَالَ : فَأَخْبَرَنِي سَالِمٌ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : فَقَالَ عُمَرُ : أَرْسِلُوا إِلَى طَبِيبٍ يَنْظُرُ إِلَى جُرْحِي ، قَالَ : فَأَرْسَلُوا إِلَى طَبِيبٍ مِنَ الْعَرَبِ فَسَقَاهُ نَبِيذًا فَشُبِّهَ النَّبِيذُ بِالدَّمِ حِينَ خَرَجَ مِنَ الطَّعْنَةِ الَّتِي تَحْتَ السُّرَّةِ ، قَالَ : فَدَعَوْتُ طَبِيبًا آخَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَقَاهُ لَبَنًا فَخَرَجَ اللَّبَنُ مِنَ الطَّعْنَةِ أَبْيَضَ ، فَقَالَ : اعْهَدْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ عُمَرُ : صَدَقَنِي ، وَلَوْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ لَكَذَّبْتُهُ . وَفِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ : ثُمَّ دَعَا بِشَرْبَةٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَهَا فَخَرَجَ مُشَاشُ اللَّبَنِ مِنَ الْجُرْحَيْنِ فَعَرَفَ أَنَّهُ الْمَوْتُ ، فَقَالَ : الْآنَ لَوْ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا كُلَّهَا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ ، وَمَا ذَاكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَنْ أَكُونَ رَأَيْتُ إِلَّا خَيْرًا .
( تَنْبِيهٌ ) : الْمُرَادُ بِالنَّبِيذِ الْمَذْكُورِ تَمَرَاتٌ نُبِذَتْ فِي مَاءٍ أَيْ نُقِعَتْ فِيهِ ، كَانُوا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ لِاسْتِعْذَابِ الْمَاءِ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي الْأَشْرِبَةِ . قَوْلُهُ : ( وَجَاءَ النَّاسُ يُثْنُونَ عَلَيْهِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيْهِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ تَسْمِيَةِ مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَأَنَّهُ أَجَابَهُ بِمَا أَجَابَ بِهِ غَيْرَهُ . وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ الْمُغِيرَةَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ : هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ ، وَأَجَابَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ مِمَّنْ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ حِينَ طُعِنَ . وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ : فَدَخَلَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ثُمَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَهْلُ الشَّامِ ثُمَّ أَهْلُ الْعِرَاقِ ، فَكُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ بَكَوْا وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي الْجِزْيَةِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ : وَأَتَاهُ كَعْبٌ - أَيْ كَعْبُ الْأَحْبَارِ - فَقَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَا تَمُوتُ إِلَّا شَهِيدًا ، وَإِنَّكَ تَقُولُ : مِنْ أَيْنَ وَإِنِّي فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ . قَوْلُهُ : ( وَجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ السَّابِقَةِ فِي الْجَنَائِزِ : وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ أَثْنَى عَلَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ هُنَا لِلشَّابِّ ، فَلَوْلَا أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : إِنَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ لَسَاغَ أَنْ يُفَسَّرَ الْمُبْهَمُ بِابْنِ عَبَّاسٍ ، لَكِنْ لَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الْمُثْنِينَ مَعَ اتِّحَادِ جَوَابِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ فِي قِصَّةِ هَذَا الشَّابِّ أَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ رَأَى عُمَرُ إِزَارَهُ يَصِلُ إِلَى الْأَرْضِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِي إِنْكَارِهِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَشْغَلْهُ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْمَوْتِ عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَقَوْلُهُ : مَا قَدْ عَلِمْتُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ لَكَ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ حَدِيثِهِ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَزَادَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ ، لَمْ يَمْنَعْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ . قَوْلُهُ : ( وَقَدَمٍ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا فَالْأَوَّلُ بِمَعْنَى الْفَضْلِ وَالثَّانِي بِمَعْنَى السَّبْقِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ شَهَادَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مَا قَدْ عَلِمْتُ ، وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى صُحْبَةٍ ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ .
قَوْلُهُ : ( لَا عَلَيَّ وَلَا لِي ) أَيْ سَوَاءً بِسَوَاءٍ . قَوْلُهُ : ( أَنْقَى لِثَوْبِكَ ) بِالنُّونِ ثُمَّ الْقَافِ لِلْأَكْثَرِ ، وَبِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ النُّونِ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَإِنْ قُلْتَ ذَلِكَ فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا ، أَلَيْسَ قَدْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعِزَّ اللَّهُ بِكَ الدِّينَ وَالْمُسْلِمِينَ إِذْ يَخَافُونَ بِمَكَّةَ ، فَلَمَّا أَسْلَمْتَ كَانَ إِسْلَامُكَ عِزًّا ، وَظَهَرَ بِكَ الْإِسْلَامُ ، وَهَاجَرْتَ فَكَانَتْ هِجْرَتُكَ فَتْحًا ، ثُمَّ لَمْ تَغِبْ عَنْ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ ، ثُمَّ قُبِضَ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ ، وَوَازَرْتَ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ عَلَى مِنْهَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَضَرَبْتَ مَنْ أَدْبَرَ بِمَنْ أَقْبَلَ ، ثُمَّ قُبِضَ الْخَلِيفَةُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ ، ثُمَّ وُلِّيتَ بِخَيْرِ مَا وَلِيَ النَّاسُ : مَصَّرَ اللَّهُ بِكَ الْأَمْصَارَ ، وَجَبَا بِكَ الْأَمْوَالَ ، وَنَفَى بِكَ الْعَدُوَّ ، وَأَدْخَلَ بِكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ مَنْ سَيُوسِعُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ ، ثُمَّ خَتَمَ لَكَ بِالشَّهَادَةِ ، فَهَنِيئًا لَكَ . فَقَالَ : وَاللَّهِ إِنَّ الْمَغْرُورَ مَنْ تَغُرُّونَهُ .
ثُمَّ قَالَ : أَتَشْهَدُ لِي يَا عَبْدَ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ . وَفِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ أَيْضًا : قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - وَذَكَرَ لَهُ فِعْلَ عُمَرَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَخَشْيَتِهِ مِنْ رَبِّهِ فَقَالَ - : هَكَذَا الْمُؤْمِنُ جَمَعَ إِحْسَانًا وَشَفَقَةً ، وَالْمُنَافِقُ جَمْعَ إِسَاءَةً وَعِزَّةً ، وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ إِنْسَانًا ازْدَادَ إِحْسَانًا إِلَّا وَجَدْتُهُ ازْدَادَ مَخَافَةً وَشَفَقَةً ، وَلَا ازْدَادَ إِسَاءَةً إِلَّا ازْدَادَ عِزَّةً .
قَوْلُهُ : ( يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، انْظُرْ مَاذَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ ، فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهُ ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : ثُمَّ قَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ عُمَرَ إِذَا مُتُّ فَدَفَنْتَنِي أَنْ لَا تَغْسِلَ رَأْسَكَ حَتَّى تَبِيعَ مِنْ رِبَاعِ آلِ عُمَرَ بِثَمَانِينَ أَلْفًا فَتَضَعَهَا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، فَسَأَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، فَقَالَ : أَنْفَقْتُهَا فِي حِجَجٍ حَجَجْتُهَا ، وَفِي نَوَائِبَ كَانَتْ تَنُوبُنِي ، وَعُرِفَ بِهَذَا جِهَةُ دَيْنِ عُمَرَ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : قَدْ عَلِمَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ غَرَامَةُ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَعَجَّلَ مِنْ عَمَلِهِ شَيْئًا فِي الدُّنْيَا . وَوَقَعَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ أَنَّ دَيْنَ عُمَرَ كَانَ سِتَّةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا ، وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ .
قَوْلُهُ : ( إِنْ وَفَّى لَهُ مَالُ آلِ عُمَرَ ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ نَفْسَهُ ، وَمِثْلُهُ يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ رَهْطَهُ . وَقَوْلُهُ : وَإِلَّا فَسَلْ فِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ هُمُ الْبَطْنُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ ، وَقُرَيْشٌ قَبِيلَتُهُ ، وَقَوْلُهُ : لَا تَعْدُهُمْ بِسُكُونِ الْعَيْنِ أَيْ لَا تَتَجَاوَزُهُمْ ، وَقَدْ أَنْكَرَ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنْ يَكُونَ عَلَى عُمَرَ دَيْنٌ ، فَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ نَافِعًا قَالَ : مِنْ أَيْنَ يَكُونُ عَلَى عُمَرَ دَيْنٌ وَقَدْ بَاعَ رَجُلٌ مِنْ وَرَثَتِهِ مِيرَاثَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ ؟ انْتَهَى . وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَوْتِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ كَثِيرَ الْمَالِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الدَّيْنِ عَنْهُ ، فَلَعَلَّ نَافِعًا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ دَيْنُهُ لَمْ يُقْضَ .
قَوْلُهُ : ( فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عِنْدَمَا أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ ، إِشَارَةً بِذَلِكَ إِلَى عَائِشَةَ حَتَّى لَا تُحَابِيهِ لِكَوْنِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ ذَلِكَ ، فَيُحْمَلُ هَذَا النَّفْيُ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَ أَنَّ سُؤَالَهُ لَهَا بِطَرِيقِ الطَّلَبِ لَا بِطَرِيقِ الْأَمْرِ . قَوْلُهُ : ( وَلَأُوثِرَنَّهُ بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي ) اسْتُدِلَّ بِهِ وَبِاسْتِئْذَانِ عُمَرَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تَمْلِكُ الْبَيْتَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، بَلِ الْوَاقِعُ أَنَّهَا كَانَتْ تَمْلِكُ مَنْفَعَتَهُ بِالسُّكْنَى فِيهِ وَالْإِسْكَانِ وَلَا يُورَثُ عَنْهَا ، وَحُكْمُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالْمُعْتَدَّاتِ لِأَنَّهُنَّ لَا يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِ عَائِشَةَ لَأُوثِرَنَّهُ عَلَى نَفْسِي وَبَيْنَ قَوْلِهَا لِابْنِ الزُّبَيْرِ : لَا تَدْفِنِّي عِنْدَهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ وُسْعٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهَا إِمْكَانُ ذَلِكَ بَعْدَ دَفْنِ عُمَرَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهَا بِقَوْلِهَا لَأُوثِرَنَّهُ عَلَى نَفْسِي الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهَا لَوْ أَذِنَتْ فِي ذَلِكَ لَامْتَنَعَ عَلَيْهَا الدَّفْنُ هُنَاكَ لِمَكَانِ عُمَرَ لِكَوْنِهِ أَجْنَبِيًّا مِنْهَا بِخِلَافِ أَبِيهَا وَزَوْجِهَا ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَكَانِ سَعَةٌ أَمْ لَا ، وَلِهَذَا كَانَتْ تَقُولُ بَعْدَ أَنْ دُفِنَ عُمَرُ : لَمْ أَضَعْ ثِيَابِي عَنِّي مُنْذُ دُفِنَ عُمَرُ فِي بَيْتِي أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ ، وَرُوِيَ عَنْهَا فِي حَدِيثٍ لَا يَثْبُتُ أَنَّهَا اسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ عَاشَتْ بَعْدَهُ أَنْ تُدْفَنَ إِلَى جَانِبِهِ فَقَالَ ، لَهَا : وَأَنَّى لَكِ بِذَلِكَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِلَّا قَبْرِي وَقَبْرُ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَفِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : إِنَّ قُبُورَ الثَّلَاثَةِ فِي صُفَّةِ بَيْتِ عَائِشَةَ ، وَهُنَاكَ مَوْضِعُ قَبْرٍ يُدْفَنُ فِيهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَوْلُهُ : ( ارْفَعُونِي ) أَيْ مِنَ الْأَرْضِ ، كَأَنَّهُ كَانَ مُضْطَجِعًا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقْعِدُوهُ .
قَوْلُهُ : ( فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ الْمُبَارَكِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ قَالَ : فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَلْصِقْ خَدِّي بِالْأَرْضِ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَوَضَعْتُهُ مِنْ فَخِذِي عَلَى سَاقِي ، فَقَالَ : أَلْصِقْ خَدِّي بِالْأَرْضِ ، فَوَضَعْتُهُ حَتَّى وَضَعَ لِحْيَتَهُ وَخَدَّهُ بِالْأَرْضِ ، فَقَالَ : وَيْلَكَ عُمَرُ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَكَ . قَوْلُهُ : ( مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ ) وَقَوْلُهُ : ( إِذَا مُتُّ فَاسْتَأْذِنْ ) ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَخْشَى أَنْ تَكُونَ أَذِنَتْ فِي حَيَاتِهِ حَيَاءً مِنْهُ وَأَنْ تَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَأَرَادَ أَنْ لَا يُكْرِهَهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ . قَوْلُهُ : ( وَجَاءَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ ) أَيْ بِنْتُ عُمَرَ .
قَوْلُهُ : ( فَوَلَجَتْ عَلَيْهِ ) أَيْ دَخَلَتْ عَلَى عُمَرَ فَمَكَثَتْ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَبَكَتْ ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يَا صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِ ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا صَبْرَ لِي عَلَى مَا أَسْمَعُ ، أُحَرِّجُ عَلَيْكِ بِمَا لِيَ عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَنْدُبِينَنِي بَعْدَ مَجْلِسِكِ هَذَا ، فَأَمَّا عَيْنَيْكِ فَلَنْ أَمْلِكَهُمَا . قَوْلُهُ : ( فَوَلَجْتُ دَاخِلًا لَهُمْ ) أَيْ مَدْخَلًا كَانَ فِي الدَّارِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا : أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اسْتَخْلِفْ ) سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ ذَلِكَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَرَوَى ابْنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَنَّ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ لِعُمَرَ حِينَ وَقَفَ لَمْ يُوَلِّ أَحَدًا بَعْدَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَطْعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُطْعَنَ : إِنَّ أَقْوَامًا يَأْمُرُونَنِي أَنْ أَسْتَخْلِفَ .
قَوْلُهُ : ( مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ أَوِ الرَّهْطِ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي . قَوْلُهُ : ( فَسَمَّى عَلِيًّا ، وَعُثْمَانَ إِلَخْ ) وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيًّا ، وَفِيهِ قُلْتُ لِسَالِمٍ : أَبَدَأُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَبْلَهُمَا ؟ قَالَ : نَعَمْ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الرُّوَاةَ تَصَرَّفُوا لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ ، وَاقْتِصَارُ عُمَرَ عَلَى السِّتَّةِ مِنَ الْعَشَرَةِ لَا إِشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَمِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ ، أَمَّا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَهُوَ ابْنُ عَمِّ عُمَرَ فَلَمْ يُسَمِّهِ عُمَرُ فِيهِمْ مُبَالَغَةً فِي التَّبَرِّي مِنَ الْأَمْرِ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الْمُدَايِنِيِّ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ عُمَرَ عَدَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ فِيمَنْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ ، إِلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُدَايِنِيُّ بِأَسَانِيدِهِ قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : لَا أَرَبَ لِي فِي أُمُورِكُمْ فَأَرْغَبَ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِي . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْمُدَايِنِيِّ بِأَسَانِيدِهِ قَالَ : فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : اسْتَخْلِفْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ .
قَالَ : وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ اللَّهَ بِهَذَا ، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ مُرْسَلِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ نَحْوَهُ قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : قَاتَلَكَ اللَّهُ ، وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ اللَّهَ بِهَذَا ، أَسْتَخْلِفُ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ . قَوْلُهُ : ( كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ ) أَيْ لِابْنِ عُمَرَ ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى فِي الْخِلَافَةِ أَرَادَ جَبْرَ خَاطِرِهِ بِأَنْ جَعَلَهُ مِنْ أَهْلِ الْمُشَاوَرَةِ فِي ذَلِكَ . وَزَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ لَهُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي لَا مِنْ كَلَامِ عُمَرَ ، فَلَمْ أَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ تَهَيَّأَ لَهُ الْجَزْمُ بِذَلِكَ مَعَ الِاحْتِمَالِ .
وَذَكَرَ الْمُدَايِنِيُّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُمْ : إِذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ عَلَى رَأْيٍ ، وثلاثة على رأي ، فَحَكِّمُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَإِنْ لَمْ تَرْضَوْا بِحُكْمِهِ فَقَدِّمُوا مَنْ مَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ . قَوْلُهُ : ( فَإِنْ أَصَابَتِ الْإِمْرَةُ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : الْإِمَارَةُ ، ( سَعْدًا ) يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَزَادَ الْمُدَايِنِيُّ : وَمَا أَظُنُّ أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا عَلِيٌّ ، أَوْ عُثْمَانُ ، فَإِنْ وَلِيَ عُثْمَانُ فَرَجُلٌ فِيهِ لِينٌ ، وَإِنْ وَلِيَ عَلِيٌّ فَسَتَخْتَلِفُ عَلَيْهِ النَّاسُ ، وَإِنْ وَلِيَ سَعْدٌ وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ الْوَالِي . ثُمَّ قَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَرَ بِكُمُ الْإِسْلَامَ ، فَاخْتَرْ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَاسْتَحِثَّ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ حَتَّى يَخْتَارُوا رَجُلًا مِنْهُمْ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي ) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ : فَقَالَ : ادْعُوا لِي عَلِيًّا ، وَعُثْمَانَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَسَعْدًا ، وَالزُّبَيْرَ ، وَكَانَ طَلْحَةُ غَائِبًا قَالَ : فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ غَيْرَ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ فَقَالَ : يَا عَلِيُّ ، لَعَلَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَعْلَمُونَ لَكَ حَقَّكَ وَقَرَابَتَكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصِهْرَكَ وَمَا آتَاكَ اللَّهُ مِنَ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ فَإِنْ وُلِّيتَ هَذَا الْأَمْرَ فَاتَّقِ اللَّهَ فِيهِ ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ فَقَالَ : يَا عُثْمَانُ فَذَكَرَ لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي قِصَّةِ عُثْمَانَ : فَإِنْ وَلَّوْكَ هَذَا الْأَمْرَ فَاتَّقِ اللَّهَ فِيهِ وَلَا تَحْمِلَنَّ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ ثُمَّ قَالَ : ادْعُوا لِي صُهَيْبًا فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ : صَلِّ بِالنَّاسِ ثَلَاثًا ، وَلْيَحُلَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فِي بَيْتٍ ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ فَمَنْ خَالَفَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ : إِنْ تُوَلُّوهَا الْأَجْلَحَ يَسْلُكْ بِهِمُ الطَّرِيقَ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ : مَا يَمْنَعُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ ؟ قَالَ : أَكْرَهُ أَنْ أَتَحَمَّلَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا . وَقَدِ اشْتَمَلَ هَذَا الْفَصْلُ عَلَى فَوَائِدَ عَدِيدَةٍ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ : دَخَلَ الرَّهْطُ عَلَى عُمَرَ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَ النَّاسِ شِقَاقًا ، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ فِيكُمْ ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَيْكُمْ - وَكَانَ طَلْحَةُ يَوْمَئِذٍ غَائِبًا فِي أَمْوَالِهِ - قَالَ : فَإِنْ كَانَ قَوْمُكُمْ لَا يُؤَمِّرُونَ إِلَّا لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ فَلَا يَحْمِلْ قَرَابَتَهُ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ ، قُومُوا فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : أَمْهِلُوا فَإِنْ حَدَثَ لِي حَدَثٌ فَلْيُصَلِّ لَكُمْ صُهَيْبٌ ثَلَاثًا ، فَمَنْ تَأَمَّرَ مِنْكُمْ عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ .
قَوْلُهُ : ( بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ) هُمْ مَنْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ ، وَقِيلَ : مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ ، وَالْأَنْصَارُ سَيَأْتِي ذِكْرُهُمْ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ . وَقَوْلُهُ : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ أَيْ سَكَنُوا الْمَدِينَةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَقَوْلُهُ : ( وَالْإِيمَانَ ) ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ ضُمِّنَ تَبَوَّءُوا مَعْنَى لَزِمَ أَوْ عَامِلُ نَصْبِهِ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ وَاعْتَقَدُوا ، أَوْ أَنَّ الْإِيمَانَ لِشِدَّةِ ثُبُوتِهِ فِي قُلُوبِهِمْ كَأَنَّهُ أَحَاطَ بِهِمْ وَكَأَنَّهُمْ نَزَلُوهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُمْ رِدْءُ الْإِسْلَامِ ) أَيْ عَوْنُ الْإِسْلَامِ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ ( وَغَيْظُ الْعَدُوِّ ) أَيْ يَغِيظُونَ الْعَدُوَّ بِكَثْرَتِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ .
قَوْلُهُ : ( وَأَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ إِلَّا فَضْلُهُمْ عَنْ رِضَاهُمْ ) أَيْ إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْهُمْ ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ . قَوْلُهُ : ( مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ ) أَيِ الَّتِي لَيْسَتْ بِخِيَارٍ ، وَالْمُرَادُ بِذِمَّةِ اللَّهِ : أَهْلُ الذِّمَّةِ ، وَالْمُرَادُ بِالْقِتَالِ مِنْ وَرَائِهِمْ أَيْ إِذَا قَصَدَهُمْ عَدُوٌّ لَهُمْ . وَقَدِ اسْتَوْفَى عُمَرُ فِي وَصِيَّتِهِ جَمِيعَ الطَّوَائِفِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِمَّا مُسْلِمٌ وَإِمَّا كَافِرٌ ، فَالْكَافِرُ إِمَّا حَرْبِيٌّ وَلَا يُوصَى بِهِ ، وَإِمَّا ذِمِّيُّ وَقَدْ ذَكَرَهُ ، وَالْمُسْلِمُ إِمَّا مُهَاجِرِيٌّ وَإِمَّا أَنْصَارِيٌّ أَوْ غَيْرُهُمَا ، وَكُلُّهُمْ إِمَّا بَدَوِيٌّ وَإِمَّا حَضَرِيٌّ ، وَقَدْ بَيَّنَ الْجَمِيعَ .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُدَايِنِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ : وَأَحْسِنُوا مُؤَازَرَةَ مَنْ يَلِي أَمْرَكُمْ وَأَعِينُوهُ وَأَدُّوا إِلَيْهِ الْأَمَانَةَ . وَقَوْلُهُ : ( وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ ) أَيْ مِنَ الْجِزْيَةِ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقْنَا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَانْقَلَبْنَا أَيْ رَجَعْنَا .
قَوْلُهُ : ( فَوُضِعَ هُنَالِكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ ) اخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الْقُبُورِ الْمُكَرَّمَةِ الثَّلَاثَةِ ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ قَبْرَ أَبِي بَكْرٍ وَرَاءَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْرَ عُمَرَ وَرَاءَ قَبْرِ أَبِي بَكْرٍ . وَقِيلَ : إِنَّ قَبْرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقَدَّمٌ إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَقَبْرَ أَبِي بَكْرٍ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ . وَقَبْرَ عُمَرَ حِذَاءَ مَنْكِبَيْ أَبِي بَكْرٍ .
وَقِيلَ : قَبْرُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ رَأْسِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْرُ عُمَرَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ . وَقِيلَ : قَبْرُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ رِجْلَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْرُ عُمَرَ عِنْدَ رِجْلَيْ أَبِي بَكْرٍ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَذِكْرُ أَدِلَّتِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ) هُوَ ابْنُ عَوْفٍ . قَوْلُهُ : ( اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ ) أَيْ فِي الِاخْتِيَارِ لِيَقِلَّ الِاخْتِلَافُ ، كَذَا قَالَ ابْنُ التِّينِ وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَصَرَّحَ الْمُدَايِنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ طَلْحَةُ : قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ حَضَرَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا عِنْدَ وَصِيَّةِ عُمَرَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ حَضَرَ بَعْدَ أَنْ مَاتَ وَقَبْلَ أَنْ يَتِمَّ أَمْرُ الشُّورَى ، وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا رَوَاهُ الْمُدَايِنِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ بُويِعَ عُثْمَانُ .
قَوْلُهُ : ( وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ ) بِالرَّفْعِ فِيهِمَا وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ عَلَيْهِ رَقِيبٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( لَيَنْظُرَنَّ أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ ) أَيْ مُعْتَقَدِهِ ، زَادَ الْمُدَايِنِيُّ فِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ عُثْمَانُ : أَنَا أَوَّلُ مَنْ رَضِيَ ، وَقَالَ عَلِيٌّ : أَعْطِنِي مَوْثِقًا لَتُؤْثِرَنَّ الْحَقَّ وَلَا تَخُصَّنَّ ذَا رَحِمٍ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، ثُمَّ قَالَ : أَعْطُونِي مَوَاثِيقَكُمْ أَنْ تَكُونُوا مَعِيَ عَلَى مَنْ خَالَفَ . قَوْلُهُ : ( فَأُسْكِتَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ كَأَنَّ مُسْكِتًا أَسْكَتَهُمَا ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ وَهُوَ بِمَعْنَى سَكَتَ ، وَالْمُرَادُ بِالشَّيْخَيْنِ عَلِيٌّ ، وَعُثْمَانُ .
قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا ) هُوَ عَلِيٌّ وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَوَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ . قَوْلُهُ : ( وَالْقِدَمُ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ، زَادَ الْمُدَايِنِيُّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْتَ لَوْ صُرِفَ هَذَا الْأَمْرُ عَنْكَ فَلَمْ تَحْضُرْ مَنْ كُنْتَ تَرَى أَحَقَّ بِهَا مِنْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ ؟ قَالَ : عُثْمَانَ . قَوْلُهُ : ( مَا قَدْ عَلِمْتَ ) صِفَةٌ أَوْ بَدَلٌ عَنِ الْقِدَمِ .
قَوْلُهُ : ( ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ) زَادَ الْمُدَايِنِيُّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لِعَلِيٍّ ، فَقَالَ : عَلِيٌّ . وَزَادَ فِيهِ أَنَّ سَعْدًا أَشَارَ عَلَيْهِ بِعُثْمَانَ ، وَأَنَّهُ دَارَ تِلْكَ اللَّيَالِيَ كُلَّهَا عَلَى الصَّحَابَةِ وَمَنْ وَافَى الْمَدِينَةَ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ لَا يَخْلُو بِرَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَّا أَمَرَهُ بِعُثْمَانَ . وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ الشُّورَى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، وَسَاقَهَا نَحْوَ هَذَا وَأَتَمَّ مِمَّا هُنَا ، وَسَأَذْكُرُ شَرْحَ مَا فِيهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَفِي قِصَّةِ عُمَرَ هَذِهِ مِنَ الْفَوَائِدِ : شَفَقَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَنَصِيحَتُهُ لَهُمْ ، وَإِقَامَتُهُ السُّنَّةَ فِيهِمْ ، وَشِدَّةُ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ ، وَاهْتِمَامُهُ بِأَمْرِ الدِّينِ أَكْثَرَ مِنِ اهْتِمَامِهِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمَدْحِ فِي الْوَجْهِ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا كَانَ غُلُوٌّ مُفْرِطٌ أَوْ كَذِبٌ ظَاهِرٌ ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَنْهَ عُمَرُ الشَّابَّ عَنْ مَدْحِهِ لَهُ مَعَ كَوْنِهِ أَمَرَهُ بِتَشْمِيرِ إِزَارِهِ ، وَالْوَصِيَّةُ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ ، وَالِاعْتِنَاءُ بِالدَّفْنِ عِنْدَ أَهْلِ الْخَيْرِ ، وَالْمَشُورَةُ فِي نَصْبِ الْإِمَامِ وَتَقْدِيمِ الْأَفْضَلِ ، وَأَنَّ الْإِمَامَةَ تَنْعَقِدُ بِالْبَيْعَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ بِالتَّأَمُّلِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَوْلِيَةِ الْمَفْضُولِ عَلَى الْأَفْضَلِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَمْ يَجْعَلِ الْأَمْرَ شُورَى إِلَى سِتَّةِ أَنْفُسٍ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ ، قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ : قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُمَا . وَقَدِ اسْتُشْكِلَ جَعْلُ عُمَرَ الْخِلَافَةَ فِي سِتَّةٍ وَوَكَلَ ذَلِكَ إِلَى اجْتِهَادِهِمْ ، وَلَمْ يَصْنَعْ مَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي اجْتِهَادِهِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لَا يَرَى جَوَازَ وِلَايَةِ الْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ فَصَنِيعُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَدَا السِّتَّةِ كَانَ عِنْدَهُ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ ، وَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أَفْضَلِيَّةُ بَعْضِ السِّتَّةِ عَلَى بَعْضٍ ، وَإِنْ كَانَ يَرَى جَوَازَ وِلَايَةِ الْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ فَمَنْ وَلَّاهُ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ كَانَ مُمْكِنًا ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ يَدْخُلُ فِيهِ الْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي ، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ صَنِيعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْتِخْلَافِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ ، وَصَنِيعُ أَبِي بَكْرٍ حَيْثُ صَرَّحَ ، فَتِلْكَ طَرِيقٌ تَجْمَعُ التَّنْصِيصَ وَعَدَمَ التَّعْيِينِ ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْ تَجْمَعُ الِاسْتِخْلَافَ وَتَرْكَ تَعْيِينِ الْخَلِيفَةِ ، وَقَدْ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ : لَا أَتَقَلَّدُهَا حَيًّا وَمَيِّتًا ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَقَعُ مِمَّنْ يَسْتَخْلِفُ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ لَا بِطَرِيقِ التَّفْصِيلِ ، فَعَيَّنَهُمْ وَمَكَّنَهُمْ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ فِي ذَلِكَ وَالْمُنَاظَرَةِ فِيهِ لِتَقَعَ وِلَايَةُ مَنْ يَتَوَلَّى بَعْدَهُ عَنِ اتِّفَاقٍ مِنْ مُعْظَمِ الْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ بِبَلَدِهِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْهِجْرَةِ وَبِهَا مُعْظَمُ الصَّحَابَةِ ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ سَاكِنًا غَيْرَهُمْ فِي بَلَدٍ غَيْرِهَا كَانَ تَبَعًا لَهُمْ فِيمَا يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ .