حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ

بَاب قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ 3799 - حَدَّثَنِي مُحمودُ بْنُ يَحْيَى أَبُو عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا شَاذَانُ أَخُو عَبْدَانَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : مَرَّ أَبُو بَكْرٍ ، وَالْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ وَهُمْ يَبْكُونَ ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكُمْ ؟ قَالُوا : ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَّا . فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ ، قَالَ : فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ ، قَالَ : فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ ، وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ ، فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي ، وَقَدْ قَضَوْا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ) يَعْنِي الْأَنْصَارَ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو عَلِيٍّ ) هُوَ الْيَشْكُرِيُّ الْمَرْوَزِيُّ الصَّائِغُ كَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ ، مَاتَ قَبْلَ الْبُخَارِيِّ بِأَرْبَعِ سِنِينَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا شَاذَانُ أَخُو عَبْدَانَ ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ أَخِيهِ عَبْدَانَ ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدَانَ وَأَدْرَكَ شَاذَانَ ، لَكِنَّهُ رَوَى هُنَا عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ . قَوْلُهُ : ( مَرَّ أَبُو بَكْرٍ ) أَيِ الصِّدِّيقُ ( وَالْعَبَّاسُ ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ يَبْكُونَ .

قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : مَا يُبْكِيكُمْ ) ؟ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ ، هَلْ هُوَ أَبُو بَكْرٍ ، أَوِ الْعَبَّاسُ ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ الْعَبَّاسُ . قَوْلُهُ : ( ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيِ الَّذِي كَانُوا يَجْلِسُونَهُ مَعَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَشَوْا أَنْ يَمُوتَ مِنْ مَرَضِهِ فَيَفْقِدُوا مَجْلِسَهُ ، فَبَكَوْا حُزْنًا عَلَى فَوَاتِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَدَخَلَ ) كَذَا أَفْرَدَ بَعْدَ أَنْ ثَنَّى ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ خَاطَبَهُمْ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ رُجْحَانَ أَنَّهُ الْعَبَّاسُ لِكَوْنِ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِهِ وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ .

قَوْلُهُ : ( حَاشِيَةُ بُرْدٍ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي حَاشِيَةُ بُرْدَةٍ بِزِيَادَةِ هَاءِ التَّأْنِيثِ . قَوْلُهُ : ( أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ ) اسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَكُونُ فِي الْأَنْصَارِ ؛ لِأَنَّ مَنْ فِيهِمُ الْخِلَافَةُ يُوصُونَ وَلَا يُوصَى بِهِمْ ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( كَرِشِي وَعَيْبَتِي ) أَيْ بِطَانَتِي وَخَاصَّتِي قَالَ الْقَزَّازُ : ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْكَرِشِ لِأَنَّهُ مُسْتَقَرُّ غِذَاءِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ نَمَاؤُهُ ، وَيُقَالُ : لِفُلَانِ كَرِشٌ مَنْثُورَةٌ أَيْ عِيَالٌ كَثِيرَةٌ ، وَالْعَيْبَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَا يُحْرِزُ فِيهِ الرَّجُلُ نَفِيسَ مَا عِنْدَهُ ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ وَأَمَانَتِهِ ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : هَذَا مِنْ كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُوجِزِ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ .

وَقَالَ غَيْرُهُ : الْكَرِشُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعِدَةِ لِلْإِنْسَانِ ، وَالْعَيْبَةُ مُسْتَوْدَعُ الثِّيَابِ وَالْأَوَّلُ أَمْرٌ بَاطِنٌ وَالثَّانِي أَمْرٌ ظَاهِرٌ ، فَكَأَنَّهُ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِهِمَا فِي إِرَادَةِ اخْتِصَاصِهِمْ بِأُمُورِهِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مُسْتَوْدَعٌ لِمَا يُخْفَى فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ قَضَوُا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ ) يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ لَهُمْ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ مِنَ الْمُبَايَعَةِ ، فَإِنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَى أَنْ يُؤْوُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَنْصُرُوهُ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ، فَوَفَوْا بِذَلِكَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث