بَاب قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ ، وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَتَقِلُّ الْأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرًا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعُهُ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَحَنْظَلَةُ هُوَ غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورُ يُكَنَّى أَبَا سُلَيْمَانَ . قَوْلُهُ : ( مِلْحَفَةٌ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ .
قَوْلُهُ : ( مُتَعَطِّفًا بِهَا ) أَيْ مُتَوَشِّحًا مُرْتَدِيًا ، وَالْعِطَافُ الرِّدَاءُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوَضْعِهِ عَلَى الْعِطْفَيْنِ وَهُمَا نَاحِيَتَا الْعُنُقِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى أَرْدِيَةِ مَعَاطِفُ . قَوْلُهُ : ( وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهِيَ مَا يُشَدُّ بِهِ الرَّأْسُ وَغَيْرُهَا ، وَقِيلَ فِي الرَّأْسِ بِالتَّاءِ ، وَفِي غَيْرِ الرَّأْسِ يُقَالُ عِصَابٌ فَقَطْ ، وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ : عَصَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ . قَوْلُهُ : ( دَسْمَاءَ ) أَيْ لِكَوْنِهَا كَلَوْنِ الدَّسَمِ وَهُوَ الدُّهْنُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّهَا سَوْدَاءُ لَكِنْ لَيْسَتْ خَالِصَةَ السَّوَادِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اسْوَدَّتْ مِنَ الْعَرَقِ أَوْ مِنَ الطِّيبِ كَالْغَالِيَةِ .
وَوَقَعَ فِي الْجُمُعَةِ دَسِمَةٌ بِكَسْرِ السِّينِ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّهَا كَانَتْ حَاشِيَةَ الْبُرْدِ ، وَالْحَاشِيَةُ غَالِبًا تَكُونُ مِنْ لَوْنٍ غَيْرِ لَوْنِ الْأَصْلِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْعِصَابَةِ الْعِمَامَةُ وَمِنْهُ حَدِيثُ مَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ) تَبَيَّنَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ سَبَبُ ذَلِكَ ، وَعُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَرَّحَ بِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ وَكَانَ آخِرُ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ .