حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : بَشَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : قَوْلُهُ : ( عَنْ إِسْمَاعِيلَ ) هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى إِلَخْ ) هَذَا مِمَّا حَمَلَهُ التَّابِعِيُّ عَنِ الصَّحَابِيِّ عَرَضًا ، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ التَّلْقِينِ ; لِأَنَّ التَّلْقِينَ لَا اسْتِفْهَامَ فِيهِ وَإِنَّمَا يَقُولُ الطَّالِبُ لِلشَّيْخِ : قُلْ حَدَّثَنَا فُلَانٌ بِكَذَا .

فَيُحَدِّثُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِه حَدِيثِهِ وَلَا بِعَدَالَةِ الطَّالِبِ ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الطَّالِبُ ضَابِطًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ فَيَدُلُّ عَلَى تَسَاهُلِ الشَّيْخِ ، فَلِذَلِكَ عَابُوهُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ . قَوْلُهُ : ( بَشَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هُوَ اسْتِفْهَامٌ مَحْذُوفُ الْأَدَاةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : نَعَمْ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ ، قَالَ : نَعَمْ إِلَخْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى : حَدِّثْنَا مَا قَالَ لِخَدِيجَةَ : قَالَ : قَالَ : بَشِّرُوا خَدِيجَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، هَكَذَا تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مِنَ الْبُخَارِيِّ .

قَوْلُهُ : ( مِنْ قَصَبٍ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : الْمُرَادُ بِهِ لُؤْلُؤَةٌ مُجَوَّفَةٌ وَاسِعَةٌ كَالْقَصْرِ الْمَنِيفِ . قُلْتُ : عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى يَعْنِي قَصَبَ اللُّؤْلُؤِ ، وَعِنْدَهُ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَيْتٍ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ ، وَعِنْدَهُ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ أُمِّي خَدِيجَةُ ؟ قَالَ : فِي بَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ . قُلْتُ : أَمِنْ هَذَا الْقَصَبِ ؟ قَالَ : لَا ، مِنَ الْقَصَبِ الْمَنْظُومِ بِالدُّرِّ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : النُّكْتَةُ فِي قَوْلِهِ : مِنْ قَصَبٍ وَلَمْ يَقُلْ : مِنْ لُؤْلُؤٍ ؛ أَنَّ فِي لَفْظِ الْقَصَبِ مُنَاسَبَةً لِكَوْنِهَا أَحْرَزَتْ قَصَبَ السَّبْقِ بِمُبَادَرَتِهَا إِلَى الْإِيمَانِ دُونَ غَيْرِهَا ، وَلِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةُ فِي جَمِيعِ ألفاظ هَذَا الْحَدِيثِ .

انْتَهَى . وَفِي الْقَصَبِ مُنَاسَبَةٌ أُخْرَى مِنْ جِهَةِ اسْتِوَاءِ أَكْثَرِ أَنَابِيبِهِ ، وَكَذَا كَانَ لِخَدِيجَةَ مِنَ الِاسْتِوَاءِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا ، إِذْ كَانَتْ حَرِيصَةً عَلَى رِضَاهُ بِكُلِّ مُمْكِنٍ ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهَا مَا يُغْضِبُهُ قَطُّ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِبَيْتٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأسْكَافُ فِي فَوَائِدِ الْأَخْبَارِ : الْمُرَادُ بِهِ بَيْتٌ زَائِدٌ عَلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهَا مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهَا ، وَلِهَذَا قَالَ : لَا نَصَبَ فِيهِ أَيْ لَمْ تَتْعَبْ بِسَبَبِهِ .

قَالَ السُّهَيْلِيُّ : لِذِكْرِ الْبَيْتِ مَعْنًى لَطِيفٌ لِأَنَّهَا كَانَتْ رَبَّةَ بَيْتٍ قَبْلَ الْمَبْعَثِ ثُمَّ صَارَتْ رَبَّةَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ مُنْفَرِدَةً بِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فِي أَوَّلِ يَوْمِ بَعْثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْتُ إِسْلَامٍ إِلَّا بَيْتُهَا ، وَهِيَ فَضِيلَةٌ مَا شَارَكَهَا فِيهَا أَيْضًا غَيْرُهَا . قَالَ : وَجَزَاءُ الْفِعْلِ يُذْكَرُ غَالِبًا بِلَفْظِهِ وَإِنْ كَانَ أَشْرَفَ مِنْهُ ، فَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِ الْبَيْتِ دُونَ لَفْظِ الْقَصْرِ . انْتَهَى .

وَفِي ذِكْرِ الْبَيْتِ مَعْنًى آخَرُ ; لِأَنَّ مَرْجِعَ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهَا ، لِمَا ثَبَتَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : لَمَّا نَزَلَتْ دَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا ، وَالْحَسَنَ ، وَالْحُسَيْنَ فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي . الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَمَرْجِعُ أَهْلِ الْبَيْتِ هَؤُلَاءِ إِلَى خَدِيجَةَ ، لِأَنَّ الْحَسَنَيْنِ مِنْ فَاطِمَةَ وَفَاطِمَةُ بِنْتُهَا ، وَعَلِيٌّ نَشَأَ فِي بَيْتِ خَدِيجَةَ وَهُوَ صَغِيرٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ بِنْتَهَا بَعْدَهَا ، فَظَهَرَ رُجُوعُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ إِلَى خَدِيجَةَ دُونَ غَيْرِهَا . قَوْلُهُ : ( لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ) الصَّخَبُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ : الصِّيَاحُ وَالْمُنَازَعَةُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ ، وَالنَّصَبُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ بَعْدُهَا مُوَحَّدَةٌ التَّعَبُ .

وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : الصَّخَبُ : الْعَيْبُ ، وَالنَّصَبُ : الْعِوَجُ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَا تُسَاعِدُ عَلَيْهِ اللُّغَةُ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : مُنَاسَبَةُ نَفْيِ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ - أَعْنِي الْمُنَازَعَةَ وَالتَّعَبَ - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَعَا إِلَى الْإِسْلَامِ أَجَابَتْ خَدِيجَةُ طَوْعًا فَلَمْ تُحْوِجْهُ إِلَى رَفْعِ صَوْتٍ وَلَا مُنَازَعَةٍ وَلَا تَعَبٍ فِي ذَلِكَ ، بَلْ أَزَالَتْ عَنْهُ كُلَّ نَصَبٍ ، وَآنَسَتْهُ مِنْ كُلِّ وَحْشَةٍ ، وَهَوَّنَتْ عَلَيْهِ كُلَّ عَسِيرٍ ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهَا الَّذِي بَشَّرَهَا بِهِ رَبُّهَا بِالصِّفَةِ الْمُقَابِلَةِ لِفِعْلِهَا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث