حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ . الْحَدِيثُ السَّادِسُ : قَوْلُهُ : ( عَنْ عُمَارَةَ ) هُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ .

قَوْلُهُ : ( أَتَى جِبْرِيلُ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُوَ بِحِرَاءَ . قَوْلُهُ : ( هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَدْ أَتَتْكَ وَمَعْنَاهُ تَوَجَّهَتْ إِلَيْكَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ثَانِيًا : فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَمَعْنَاهُ وَصَلَتْ إِلَيْكَ . قَوْلُهُ : ( إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ وَشَرَابٌ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ حَيْسًا .

قَوْلُهُ : ( فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي ) زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَتْ : هُوَ السَّلَامُ وَمِنْهُ وَالسَّلَامُ وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ وِلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ يُقْرِي خَدِيجَةَ السَّلَامَ - يَعْنِي فَأَخْبِرْهَا - فَقَالَتْ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ ، وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ وَعَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ زَادَ ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَعَلَى مَنْ سَمِعَ السَّلَامُ ، إِلَّا الشَّيْطَانَ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : فِي هَذَهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى وُفُورِ فِقْهِهَا ، لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ : وَعَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ حَيْثُ كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّشَهُّدِ : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ هُو السَّلَامُ ، فَقُولُوا : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ فَعَرَفَتْ خَدِيجَةُ لِصِحَّةِ فَهْمِهَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا يُرَدُّ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، وَهُوَ أَيْضًا دُعَاءٌ بِالسَّلَامَةِ ، وَكلاها لَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَدَّ بِهِ عَلَى اللَّهِ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ : كَيْفَ أَقُولُ : عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالسَّلَامُ اسْمُهُ ، وَمِنْهُ يُطْلَبُ وَمِنْهُ يَحْصُلُ ؟ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ إِلَّا الثَّنَاءُ عَلَيْهِ فَجَعَلَتْ مَكَانَ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ غَايَرَتْ بَيْنَ مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ وَمَا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ فَقَالَتْ : وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ ثُمَّ قَالَتْ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى مَنْ أَرْسَلَ السَّلَامَ وَعَلَى مَنْ بَلَّغَهُ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ جَوَابِهَا فَرَدَّتْ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ : مَرَّةً بِالتَّخْصِيصِ وَمَرَّةً بِالتَّعْمِيمِ ، ثُمَّ أَخْرَجَتِ الشَّيْطَانَ مِمَّنْ سَمِعَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الدُّعَاءَ بِذَلِكَ . قِيلَ : إِنَّمَا بَلَّغَهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ رَبِّهَا بِوَاسِطَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتِرَامًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ وَقَعَ لَهُ لَمَّا سَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ لَمْ يُوَاجِهْهَا بِالسَّلَامِ بَلْ رَاسَلَهَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ وَاجَهَ مَرْيَمَ بِالْخِطَابِ ، فَقِيلَ : لِأَنَّهَا نَبِيَّةٌ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا زَوْجٌ يُحْتَرَمُ مَعَهُ مُخَاطَبَتُهَا .

قَالَ السُّهَيْلِيُّ : اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ أَبُو بَكْرِ بْنِ دَاوُدَ عَلَى أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْ عَائِشَةَ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ سَلَّمَ عَلَيْهَا جِبْرِيلُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، وَخَدِيجَةُ أَبْلَغَهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا . وَزَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ قَدِيمًا وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ أَفْضَلِيَّةَ خَدِيجَةَ بِهَذَا وَبِمَا تَقَدَّمَ . قُلْتُ : وَمِنْ صَرِيحِ مَا جَاءَ فِي تَفْضِيلِ خَدِيجَةَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ قَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ : لِعَائِشَةَ مِنَ الْفَضَائِلِ مَا لَا يُحْصَى ، وَلَكِنَّ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ ثُمَّ خَدِيجَةَ ثُمَّ عَائِشَةَ .

وَاسْتَدَلَّ لِفَضْلِ فَاطِمَةَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَتِهَا أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ . قُلْتُ : وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ : الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثِينَ أَوْلَى ، وَأَنْ لَا نُفَضِّلَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى . وَسُئِلَ السُّبْكِيُّ : هَلْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ أَحَدًا مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ أَفْضَلُ مِنْ فَاطِمَةَ ؟ فَقَالَ : قَالَ بِهِ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ ، وَهُوَ مِنْ فَضْلِ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُنَّ فِي دَرَجَتِهِ فِي الْجَنَّةِ .

قَالَ : وَهُوَ قَوْلٌ سَاقِطٌ مَرْدُودٌ . انْتَهَى . وَقَائِلُهُ هُوَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ .

قَالَ السُّبْكِيُّ : وَنِسَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي الْفَضْلِ ، وَهُنَّ أَفْضَلُ النِّسَاءِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ الْآيَةَ ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ قِيلَ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ كَمَرْيَمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا وَقَعَ لَهَا نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِخَدِيجَةَ مِنَ السَّلَامِ وَالْجَوَابِ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث