بَاب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ - أُخْتُ خَدِيجَةَ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَالَةَ . قَالَتْ : فَغِرْتُ فَقُلْتُ : مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا . الحديث السابع : قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي اتَّصَلَتْ إِلَيْنَا بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ ، لَكِنَّ صَنِيعَ الْمِزِّيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ شُجَاعٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ .
قَوْلُهُ : ( اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ) هِيَ أُخْتُ خَدِيجَةَ ، وَكَانَتْ زَوْجَ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَالِدِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ زَوْجِ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ذَكَرُوهَا فِي الصَّحَابَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ هَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّ دُخُولَهَا كَانَ بِهَا أَيْ بِالْمَدِينَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ حَيْثُ كَانَتْ عَائِشَةُ مَعَهُ فِي بَعْضِ سَفَرَاتِهِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَغْفِرِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا السَّنَدِ قَدِمَ ابْنٌ لِخَدِيجَةَ يُقَالُ لَهُ هَالَةُ ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَائِلَتِهِ كَلَامَ هَالَةَ ، فَانْتَبَهَ وَقَالَ : هَالَةُ ، هَالَةُ قَالَ الْمُسْتَغْفِرِيُّ : الصَّوَابُ هَالَةُ أُخْتُ خَدِيجَةَ ، انْتَهَى . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ تَمِيمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ هَالَةَ ، عَنْ أَبِي هَالَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ رَاقِدٌ فَاسْتَيْقَظَ فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ : هَالَةُ ، هَالَةُ وَذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الصَّحَابَةِ هَالَةَ بْنَ أَبِي هَالَةَ التَّمِيمِيَّ ، فَلَعَلَّهُ كَانَ لِخَدِيجَةَ أَيْضًا ابْنٌ اسْمُهُ هَالَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ ) أَيْ صِفَتَهُ لِشَبَهِ صَوْتِهَا بِصَوْتِ أُخْتِهَا فَتَذَكَّرَ خَدِيجَةَ بِذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : ارْتَاعَ مِنَ الرَّوْعِ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ فَزِعَ ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْفَزَعِ لَازِمُهُ وَهُوَ التَّغَيُّرُ .
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ارْتَاحَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ اهْتَزَّ لِذَلِكَ سُرُورًا ، وَقَوْلُهُ : اللَّهُمَّ هَالَةَ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ اجْعَلْهَا هَالَةَ ، فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مَنْصُوبٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذِهِ هَالَةُ وَعَلَى هَذَا هُوَ مَرْفُوعٌ ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ مَحْبُوبَاتِهِ وَمَا يُشْبِهُهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ . قَوْلُهُ : ( حَمْرَاءَ الشِّدْقَيْنِ ) بِالْجَرِّ ، قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : يَجُوزُ فِي حَمْرَاءَ الرَّفْعُ عَلَى الْقَطْعِ وَالنَّصْبُ عَلَى الصِّفَةِ أَوِ الْحَالِ ، ثُمَّ الْمَوْجُودُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَفِي مُسْلِمٍ حَمْرَاءُ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَعْنًى ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قِيلَ : مَعْنَى حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ : بَيْضَاءُ الشَّدْقَيْنِ ، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ عَلَى الْأَبْيَضِ الْأَحْمَرَ كَرَاهَةَ اسْمِ الْبَيَاضِ لِكَوْنِهِ يُشْبِهُ الْبَرَصَ ، وَلِهَذَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لِعَائِشَةَ : يَا حُمَيْرَاءُ .
ثُمَّ اسْتَبْعَدَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا لِكَوْنِ عَائِشَةَ أَوْرَدَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مَوْرِدَ التَّنْقِيصِ ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قِيلَ لَنَصَّتْ عَلَى الْبَيَاضِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ أَبْلَغَ فِي مُرَادِهَا . قَالَ : وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ نِسْبَتُهَا إِلَى كِبَرِ السِّنِّ ، لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ مَعَ قُوَّةٍ فِي بَدَنِهِ يَغْلِبُ عَلَى لَوْنِهِ غَالِبًا الْحُمْرَةُ الْمَائِلَةُ إِلَى السُّمْرَةِ ، كَذَا قَالَ . وَالَّذِي يَتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّدْقَيْنِ مَا فِي بَاطِنِ الْفَمِ فَكَنَّتْ بِذَلِكَ عَنْ سُقُوطِ أَسْنَانِهَا حَتَّى لَا يَبْقَى دَاخِلَ فَمِهَا إِلَّا اللَّحْمُ الْأَحْمَرُ مِنَ اللِّثَةِ وَغَيْرِهَا ، وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ .
قَوْلُهُ : ( قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : فِي سُكُوتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ دَلِيلٍ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ عَائِشَةَ عَلَى خَدِيجَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخَيْرِيَّةِ هُنَا حُسْنَ الصُّورَةِ وَصِغَرَ السِّنِّ . انْتَهَى . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُنْقَلْ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ عَلَيْهَا عَدَمُ ذَلِكَ ، بَلِ الْوَاقِعُ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ رَدٌّ لِهَذِهِ الْمَقَالَةِ ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِكَبِيرَةِ السِّنِّ حَدِيثَةَ السِّنِّ ، فَغَضِبَ حَتَّى قُلْتُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَذْكُرُهَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا بِخَيْرٍ وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ التِّينِ فِي الْخَيْرِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا .
وَرَوَى أَحْمَدُ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا ، آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ الْحَدِيثَ ، قَالَ عِيَاضٌ : قَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ : الْغَيْرَةُ مُسَامَحٌ لِلنِّسَاءِ مَا يَقَعُ فِيهَا وَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِنَّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ؛ لِمَا جُبِلْنَ عَلَيْهِ مِنْهَا ، وَلِهَذَا لَمْ يَزْجُرِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ . وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مِنْ عَائِشَةَ صغر سِنِّهَا وَأَوَّل شَبِيبَتِهَا ، فَلَعَلَّهَا لَمْ تَكُنْ بَلَغَتْ حِينَئِذٍ . قُلْتُ : وَهُوَ مُحْتَمَلٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ نَظَرٍ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا تَدُلُّ قِصَّةُ عَائِشَةَ هَذِهِ عَلَى أَنَّ الْغَيْرَى لَا تُؤَاخَذُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهَا ، لِأَنَّ الْغَيْرَةَ هُنَا جُزْءُ سَبَبٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ اجْتَمَعَ فِيهَا حِينَئِذٍ الْغَيْرَةُ وَصِغَرُ السِّنِّ وَالْإِدْلَالُ ، قَالَ فَإِحَالَةُ الصَّفْحِ عَنْهَا عَلَى الْغَيْرَةِ وَحْدَهَا تَحَكُّمٌ ، نَعَمُ الْحَامِلُ لَهَا عَلَى مَا قَالَتِ الْغَيْرَةُ ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي نَصَّتْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهَا : فَغِرْتُ وَأَمَّا الصَّفْحُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الْغَيْرَةِ وَحْدَهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلِغَيْرِهَا مِنَ الشَّبَابِ وَالْإِدْلَالِ .
قُلْتُ : الْغَيْرَةُ مُحَقَّقَةٌ بِتَنْصِيصِهَا ، وَالشَّبَابُ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ زَمَنِ الْبُلُوغِ ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ وَقَعَ فِي أَوَائِلِ دُخُولِهِ عَلَيْهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ . وَأَمَّا إِدْلَالُ الْمَحَبَّةِ فَلَيْسَ مُوجِبًا لِلصَّفْحِ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ ، بِخِلَافِ الْغَيْرَةِ فَإِنَّمَا يَقَعُ الصَّفْحُ بِهَا لِأَنَّ مَنْ يَحْصُلُ لَهَا الْغَيْرَةُ لَا تَكُونُ فِي كَمَالِ عَقْلِهَا ، فَلِهَذَا تَصْدُرُ مِنْهَا أُمُورٌ لَا تَصْدُرُ مِنْهَا فِي حَالِ عَدَمِ الْغَيْرَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .