بَاب الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا ، فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ . الحديث الثامن عشر . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ) فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ : حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ ، وَقَلَّ أَنْ يُخَرِّجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ مَوْصُولًا ، بَلْ عَادَتُهُ أَنْ يَذْكُرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ غَلَطٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ حُصَيْنٍ ) فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّارِيخِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ، فَأَمِنَ بِذَلِكَ مَا يَخْشَى مِنْ تَدْلِيسِ هُشَيْمٍ الرَّاوِي عَنْهُ ، وَقَرَنَ فِيهِ أَيْضًا مَعَ حُصَيْنٍ ، أَبَا الْمَلِيحِ . قَوْلُهُ : ( رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَاحِدَةُ الْقُرُودِ ، وَقَوْلُهُ : اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ قِرْدٍ ، وَقَدْ سَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُطَوَّلَةً مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ حِطَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ : كُنْتُ فِي الْيَمَنِ فِي غَنَمٍ لِأَهْلِي وَأَنَا عَلَى شَرَفٍ ، فَجَاءَ قِرْدٌ مَعَ قِرَدَةٍ فَتَوَسَّدَ يَدَهَا ، فَجَاءَ قِرْدٌ أَصْغَرُ مِنْهُ فَغَمَزَهَا ، فَسَلَّتْ يَدَهَا مِنْ تَحْتِ رَأْسِ الْقِرْدِ الْأَوَّلِ سَلًّا رَفِيقًا وَتَبِعَتْهُ ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَأَنَا أَنْظُرُ ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تُدْخِلُ يَدَهَا تَحْتَ خَدِّ الْأَوَّلِ بِرِفْقٍ ، فَاسْتَيْقَظَ فَزِعًا ، فَشَمَّهَا فَصَاحَ ، فَاجْتَمَعَتِ الْقُرُودُ ، فَجَعَلَ يَصِيحُ وَيُومِئُ إِلَيْهَا بِيَدِهِ ، فَذَهَبَ الْقُرُودُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً ، فَجَاءُوا بِذَلِكَ الْقِرْدِ أَعْرِفُهُ ، فَحَفَرُوا لَهُمَا حُفْرَةً فَرَجَمُوهُمَا ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجْمَ فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ .
قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنْ نَسْلِ الَّذِينَ مُسِخُوا فَبَقِيَ فِيهِمْ ذَلِكَ الْحُكْمُ . ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَنْسِلُ ، قُلْتُ : وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا نَسْلَ لَهُ . وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا فَيَجْعَلُ لَهُمْ نَسْلًا .
وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ إِلَى أَنَّ الْمَوْجُودَ مِنَ الْقِرَدَةِ مِنْ نَسْلِ الْمَمْسُوخِ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ شَاذٌّ اعْتَمَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مَا ثَبَتَ أَيْضًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أُتِيَ بِالضَّبِّ قَالَ : لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ . وَقَالَ فِي الْفَأْرِ : فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا أَرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ . وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الْجَزْمُ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ النَّفْيِ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْقُرُودُ الْمَذْكُورَةُ مِنَ النَّسْلِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُسِخُوا لَمَّا صَارُوا عَلَى هَيْئَةِ الْقِرَدَةِ مَعَ بَقَاءِ أَفْهَامِهِمْ عَاشَرَتْهُمُ الْقِرَدَةُ الْأَصْلِيَّةُ لِلْمُشَابَهَةِ فِي الشَّكْلِ فَتَلَقَّوْا عَنْهُمْ بَعْضَ مَا شَاهَدُوهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ فَحَفِظُوهَا وَصَارَتْ فِيهِمْ ، وَاخْتُصَّ الْقِرْدُ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفِطْنَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَقَابِلِيَّةِ التَّعْلِيمِ لِكُلِّ صِنَاعَةٍ مِمَّا لَيْسَ لِأَكْثَرِ الْحَيَوَانِ ، وَمِنْ خِصَالِهِ أَنَّهُ يَضْحَكُ وَيَطْرَبُ وَيَحْكِي مَا يَرَاهُ ، وَفِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْغَيْرَةِ مَا يُوَازِي الْآدَمِيَّ ، وَلَا يَتَعَدَّى أَحَدُهُمْ إِلَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ ، فَلَا يَدَعُ فِي الْغَالِبِ أَنْ يُحَمِّلَهَا مَا رُكِّبَ فِيهَا مِنَ الْغَيْرَةِ عَلَى عُقُوبَةِ مَنِ اعْتَدَى إِلَى مَا لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْأُنْثَى ، وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّ الْأُنْثَى تَحْمِلُ أَوْلَادَهَا كَهَيْئَةِ الْآدَمِيَّةِ ، وَرُبَّمَا مَشَى الْقِرْدُ عَلَى رِجْلَيْهِ لَكِنْ لَا يَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَتَنَاوَلُ الشَّيْءَ بِيَدِهِ وَيَأْكُلُ بِيَدِهِ ، وَلَهُ أَصَابِعُ مُفَصَّلَةٌ إِلَى أَنَامِلَ وَأَظْفَارَ ، وَلِشَفْرِ عَيْنَيْهِ أَهْدَابٌ .
وَقَدِ اسْتَنْكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قِصَّةَ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ هَذِهِ وَقَالَ : فِيهَا إِضَافَةُ الزِّنَا إِلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْبَهَائِمِ ، وَهَذَا مُنْكَرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ : فَإِنْ كَانَتِ الطَّرِيقُ صَحِيحَةً فَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنَ الْجِنِّ لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِينَ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَسْبُ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ صُورَةَ الزِّنَا وَالرَّجْمِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ زِنًا حَقِيقَةً وَلَا حَدًّا ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِشَبَهِهِ بِهِ ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ إِيقَاعَ التَّكْلِيفِ عَلَى الْحَيَوَانِ . وَأَغْرَبَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ ، وَأَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ وَحْدَهُ ذَكَرَهُ فِي الْأَطْرَافِ . قَالَ : وَلَيْسَ فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ أَصْلًا ، فَلَعَلَّهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُقْحَمَةِ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ .
وَمَا قَالَهُ مَرْدُودٌ ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَذْكُورٌ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا ، وَكَفَى بِإِيرَادِ أَبِي ذَرٍّ الْحَافِظِ لَهُ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَئِمَّةِ الْمُتْقِنِينَ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ حُجَّةً ، وَكَذَا إِيرَادُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا وَأَبِي مَسْعُودٍ لَهُ فِي أَطْرَافِهِ ، نَعَمْ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، وَكَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ ، فَإِنَّ رِوَايَتَهُ تَزِيدُ عَلَى رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ قَدْ نَبَّهْتُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا فِيمَا مَضَى وَفِيمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَمَّا تَجْوِيزُهُ أَنْ يُزَادَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهَذَا يُنَافِي مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْحُكْمِ بِتَصْحِيحِ جَمِيعِ مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ ، وَمِنِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ تَخَيُّلٌ فَاسِدٌ يَتَطَرَّقُ مِنْهُ عَدَمُ الْوُثُوقِ بِجَمِيعِ مَا فِي الصَّحِيحِ ، لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ فِي وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ جَازَ فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ ، فَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ الْوُثُوقُ بِمَا فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ ، وَاتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ يُنَافِي ذَلِكَ ، وَالطَّرِيقُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ دَافِعَةٌ لِتَضْعِيفِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لِلطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَقَدْ أَطْنَبْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ ضَعِيفٌ بِكَلَامِ الْحُمَيْدِيِّ فَيَعْتَمِدُهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِ الْخَيْلِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ مُهْرًا أُنْزِيَ عَلَى أُمِّهِ فَامْتَنَعَ ، فَأُدْخِلَتْ فِي بَيْتٍ وَجُلِّلَتْ بِكِسَاءٍ وَأُنْزِيَ عَلَيْهَا فَنَزَا ، فَلَمَّا شَمَّ رِيحَ أُمِّهِ عَمَدَ إِلَى ذَكَرِهِ فَقَطَعَهُ بِأَسْنَانِهِ مِنْ أَصْلِهِ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْفَهْمُ فِي الْخَيْلِ مَعَ كَوْنِهَا أَبْعَدَ فِي الْفِطْنَةِ مِنَ الْقِرْدِ فَجَوَازُهَا فِي الْقِرْدِ أَوْلَى .