بَاب مَا لَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِمكَّةَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمِّ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ : أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ - ، شُعْبَةُ الشَّاكُّ - فَرَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ ، فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ ، غَيْرَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَوْ أُبَيٍّ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ ، فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِئْرِ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُهُ فِي قِصَّةِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَإِلْقَائِهِ سَلَا الْجَزُورِ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ سَاجِدٌ ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْوُضُوءِ . ( تَنْبِيهٌ ) : كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ ، لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ عُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ أَخُو أَبِي جَهْلٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوهُ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِيَرُدَّ إِلَيْهِمْ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ، وَاسْتَمَرَّ عُمَارَةُ بِالْحَبَشَةِ إِلَى أَنْ مَاتَ .
( تَنْبِيهٌ آخَرُ ) : أَغْرَبَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ ، فَزَعَمَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَنْ خَبَّابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا ، طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ شَكَوْا مَا يَلْقَوْنَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ تَعْذِيبِهِمْ بِحَرِّ الرَّمْضَاءِ وَغَيْرِهِ ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يُشْكِهِمْ ، أَيْ لَمْ يُزِلْ شَكْوَاهُمْ ، وَعَدَلَ إِلَى تَسْلِيَتِهِمْ بِمَنْ مَضَى مِمَّنْ قَبْلَهُمْ ، وَلَكِنْ وَعَدَهُمْ بِالنَّصْرِ . انْتَهَى . وَيُبْعِدُ هَذَا الْحَمْلَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ الصَّلَاةُ فِي الرَّمْضَاءِ وَعِنْدَ أَحْمَدَ يَعْنِي الظُّهْرَ ، وَقَالَ : إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوا .
وَبِهَذَا تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ وَرَدَ فِي تَعْجِيلِ الظُّهْرِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الْإِبْرَادِ ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ آخَرُ ) : عَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ جَزْمًا ، وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ الدَّاوُدِيَّ قَالَ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْأَكْثَرِ إِنَّمَا يُطْلِقُونَ عَبْدَ اللَّهِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ عَلَيْهِ . قُلْتُ : وَلَيْسَ ذَلِكَ مُطَّرِدًا ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الرُّوَاةِ ، وَبَسْطُ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الْخَطِيبُ كِتَابًا حَافِلًا سَمَّاهُ الْمُجْمَلُ لِبَيَانِ الْمُهْمَلِ ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا ابْنِ الْمُلَقِّنِ أَنَّ الدَّاوُدِيَّ قَالَ : لَعَلَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو لَا ابْنُ عُمَرَ ، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ صَرَّحَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بِأَنَّهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، قُلْتُ : وَلَمْ أَرَ مَا نَسَبَهُ إِلَى الدَّاوُدِيِّ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ .