بَاب مَا لَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِمكَّةَ
حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ الْآيَةَ . تَابَعَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . وَقَالَ عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ : قِيلَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ) عَيَّاشٌ شَيْخُهُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَةِ هُوَ الرَّقَّامُ ، وَلَهُ شَيْخٌ آخَرُ لَا يَنْسُبُهُ فِي غَالِبِ مَا يُخَرِّجُ عَنْهُ ، قَالَ الْجَيَّانِيُّ : وَقَعَ هُنَا عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ غَيْرَ مُقَيَّدٍ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مِرْبَدٍ ، وَهُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي زُفَرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ ، وَمُسْلِمًا مَا أَخْرَجَا لِابْنِ مِرْبَدٍ شَيْئًا ، قَالَ : وَلَا أَعْلَمُ لَهُ رِوَايَةً عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ الْآتِيَةِ فِي تَفْسِيرِ غَافِرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عُرْوَةُ ) كَذَا قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَخَالَفَهُ أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ فَقَالَ : عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَقَوْلُ الْوَلِيدِ أَرْجَحُ . قَوْلُهُ : ( سَأَلْتُ ابْنَ عَمْرٍو ) فِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَةِ ، قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو .
قَوْلُهُ : ( بِأَشَدَّ شَيْءٍ صَنَعَهُ .. . إِلَخْ ) هَذَا الَّذِي أَجَابَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ .. . فَذَكَرَ قِصَّتَهُ بِالطَّائِفِ مَعَ ثَقِيفٍ .
وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو اسْتَنَدَ إِلَى مَا رَوَاهُ ، وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا لِلْقِصَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ بِالطَّائِفِ . وَقَدْ رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ عُثْمَانَ قَالَ : أَكْثَرُ مَا نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي رَأَيْتُهُ يَوْمًا ، قَالَ : وَذَرَفَتْ عَيْنَا عُثْمَانَ فَذَكَرَ قِصَّةً يُخَالِفُ سِيَاقُهَا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو هَذَا ، فَهَذَا الِاخْتِلَافُ ثَابِتٌ عَلَى عُرْوَةَ فِي السَّنَدِ ، لَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ لِمَا سَأُبَيِّنُهُ . قَوْلُهُ : ( يُصَلِّي فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ ) فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَدُهُ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ ، وَفِي الْحِجْرِ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَأَبُو جَهْلٍ ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْمَعُوهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الشَّوْطِ الرَّابِعِ نَاهَضُوهُ ، وَأَرَادَ أَبُو جَهْلٍ أَنْ يَأْخُذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ فَدَفَعْتُهُ ، وَدَفَعَ أَبُو بَكْرٍ ، أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُقْبَةَ ، فَهَذَا السِّيَاقُ مُغَايِرٌ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ : أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ؟ وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمْ : أَمَا وَاللَّهِ لَا تَنْتَهُونَ حَتَّى يَحِلَّ بِكُمُ الْعِقَابُ عَاجِلًا ، فَأَخَذَتْهُمُ الرِّعْدَةُ الْحَدِيثَ ، وَهَذَا يُقَوِّي التَّعَدُّدَ .
قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ) قَالَ : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ إِلَخْ ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِهَذَا السَّنَدِ ، وَفِي أَوَّلِ سِيَاقِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ قَالَ : حَضَرْتُهُمْ وَقَدِ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ فِي الْحِجْرِ فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : مَا رَأَيْنَا مِثْلَ صَبْرِنَا عَلَيْهِ ، سَفَّهَ أَحْلَامَنَا ، وَشَتَمَ آبَاءَنَا ، وَغَيَّرَ دِينَنَا ، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا . فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ ، فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ ، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ فِي الثَّالِثَةِ : لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ . وَأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا كُنْتَ جَاهِلًا ، فَانْصَرِفْ رَاشِدًا ، فَانْصَرَفَ .
فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعُوا فَقَالُوا : ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا أَتَاكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ ، فَبَيْنَمَا كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ فَقَالُوا : قُومُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمَجَامِعِ ثِيَابِهِ ، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ دُونَهُ وَهُوَ يَبْكِي فَقَالَ : أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدَةُ ، عَنْ هِشَامٍ ) أَيِ ابْنِ عُرْوَةَ ( عَنْ أَبِيهِ ، قِيلَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ) هَكَذَا خَالَفَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخَاهُ يَحْيَى بْنَ عُرْوَةَ فِي الصَّحَابِيِّ ، فَقَالَ يَحْيَى : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَقَالَ هِشَامٌ : عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَيُرَجِّحُ رِوَايَةَ يَحْيَى مُوَافَقَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَلَى أَنَّ قَوْلَ هِشَامٍ غَيْرُ مَدْفُوعٍ ، لِأَنَّ لَهُ أَصْلًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَمْرٍو الْآتِيَةِ عَقِبَ هَذَا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ سَأَلَهُ مَرَّةً وَسَأَلَ أَبَاهُ أُخْرَى ، وَيُؤَيِّدُهُ اخْتِلَافُ السِّيَاقَيْنِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُرْوَةَ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنْ عُثْمَانَ فَلَا مَانِعَ مِنَ التَّعَدُّدِ ، نَعَمْ لَمْ تَتَّفِقِ الرُّوَاةُ عَنْ هِشَامٍ عَلَى قَوْلِهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ؛ فَإِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ بِلَالٍ وَافَقَ عَبْدَةَ عَلَى ذَلِكَ ، وَخَالَفَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ فَقَالَ : عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ) وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَلَفْظُهُ : مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا أَرَادُوا قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا يَوْمًا أُغْرُوا بِهِ وَهُمْ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ جُلُوسٌ وَهُوَ يُصَلِّي عِنْدَ الْمَقَامِ ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُقْبَةُ فَجَعَلَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ ثُمَّ جَذَبَهُ لِرُكْبَتَيْهِ وَتَصَايَحَ النَّاسُ ، وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ يَشْتَدُّ حَتَّى أَخَذَ بِضَبْعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَرَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ : أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ مَرَّ بِهِمْ فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ إِلَّا بِالذَّبْحِ . فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ : يَا مُحَمَّدُ مَا كُنْتَ جَهُولًا . فَقَالَ : أَنْتَ مِنْهُمْ .
وَيَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ قَالَتْ : اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْحِجْرِ فَقَالُوا : إِذَا مَرَّ مُحَمَّدٌ ضَرَبَهُ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا ضَرْبَةً ، فَسَمِعْتُ ذَلِكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ : اسْكُتِي يَا بُنَيَّةُ . ثُمَّ خَرَجَ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ ، فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ثُمَّ نَكَسُوا ، قَالَتْ : فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَرَمَى بِهَا نَحْوَهَا ثُمَّ قَالَ : شَاهَتِ الْوُجُوهُ ، فَمَا أَصَابَ رَجُلًا مِنْهُمْ إِلَّا قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى ، وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَقَدْ ضَرَبُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَجَعَلَ يُنَادِي : وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ؟ فَتَرَكُوهُ وَأَقْبَلُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَهَذَا مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مُطَوَّلًا مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهَا : مَا أَشَدُّ مَا رَأَيْتِ الْمُشْرِكِينَ بَلَغُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَذَكَرَ نَحْوَ سِيَاقِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا وَفِيهِ فَأَتَى الصَّرِيخُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : أَدْرِكْ صَاحِبَكَ .
قالت : فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا وَلَهُ غَدَائِرُ أَرْبَعُ وَهُوَ يَقُولُ : وَيْلَكُمْ ، أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ؟ فَلَهَوْا عَنْهُ ، وَأَقْبَلُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَرَجَعَ إِلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ فَجَعَلَ لَا يَمَسُّ شَيْئًا مِنْ غَدَائِرِهِ إِلَّا رَجَعَ مَعَهُ . وَلِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ هَذِهِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ مَنْ أَشْجَعُ النَّاسِ ؟ فَقَالُوا : أَنْتَ . قَالَ : أَمَا إِنِّي مَا بَارَزَنِي أَحَدٌ إِلَّا أَنْصَفْتُ مِنْهُ ، وَلَكِنَّهُ أَبُو بَكْرٍ ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ فَهَذَا يَجَؤُهُ وَهَذَا يَتَلَقَّاهُ وَيَقُولُونَ لَهُ : أَنْتَ تَجْعَلُ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا .
فَوَاللَّهِ مَا دَنَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذَا وَيَدْفَعُ هَذَا وَيَقُولُ : وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ؟ ثُمَّ بَكَى عَلِيٌّ ثُمَّ قَالَ : أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ أَفْضَلُ أَمْ أَبُو بَكْرٍ ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : وَاللَّهِ لَسَاعَةٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْهُ ، ذَاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ، وَهَذَا يُعْلِنُ بِإِيمَانِهِ .