بَاب هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ ، أَوْ بَلَغَنِي عَنْهُ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذَا قِيلَ لَهُ هَاجَرَ قَبْلَ أَبِيهِ يَغْضَبُ . قَالَ : وَقَدِمْتُ أَنَا وَعُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَجَدْنَاهُ قَائِلًا ، فَرَجَعْنَا إِلَى الْمَنْزِلِ ، فَأَرْسَلَنِي عُمَرُ وَقَالَ : اذْهَبْ فَانْظُرْ هَلْ اسْتَيْقَظَ ، فَأَتَيْتُهُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَبَايَعْتُهُ ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى عُمَرَ ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّهُ قَدْ اسْتَيْقَظَ ، فَانْطَلَقْنَا إِلَيْهِ نُهَرْوِلُ هَرْوَلَةً حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ فَبَايَعَهُ ، ثُمَّ بَايَعْتُهُ . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَوْ بَلَغَنِي عَنْهُ ) أَمَّا مُحَمَّدٌ فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الدُّولَابِيُّ الْبَزَّازُ بِمُعْجَمَتَيْنِ نَزِيلُ بَغْدَادَ ، مُتَّفَقٌ عَلَى تَوْثِيقِهِ . وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْبُيُوعِ جَازِمًا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَأَمَّا مَنْ بَلَّغَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَبَّادَ بْنَ الْوَلِيدِ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقه عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ بِلَفْظِهِ ، وَعَبَّادٌ الْمَذْكُورُ يُكَنَّى أَبَا بَدْرٍ ، وَهُوَ غُبَرِيٌّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَقَالَ : صَدُوقٌ ، وَمَاتَ قَبْلَ سَنَةِ سِتِّينَ أَوْ بَعْدَهَا . وَإِسْمَاعِيلُ شَيْخُ مُحَمَّدٍ فِيهِ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ ، وَعَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلُ ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ .
قَوْلُهُ : ( إِذَا قِيلَ لَهُ هَاجَرَ قَبْلَ أَبِيهِ يَغْضَبُ ) يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ إِلَّا صُحْبَةَ أَبِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّنِي هَاجَرْتُ قَبْلَ أَبِي ، إِنَّمَا قَدَّمَنِي فِي ثَقَلِهِ وَهَذَا فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَالْجَوَابُ الَّذِي أَجَابَ بِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَصَحُّ مِنْهُ ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ ذِكْرُ أَبَوَيْهِ ، فَإِنَّ أُمَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ مَظْعُونٍ كَانَتْ بِمَكَّةَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ . قَوْلُهُ : ( قَدِمْتُ أَنَا وَعُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يَعْنِي عِنْدَ الْبَيْعَةِ ، وَلَعَلَّهَا بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهَا بَيْعَةٌ صَدَرَتْ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ ، وَعِنْدِي فِي ذَلِكَ بُعْدٌ ; لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ فِي سِنِّ مَنْ يُبَايِعُ ، وَقَدْ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ سِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يُجِزْهُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَيْعَةُ حِينَئِذٍ عَلَى غَيْرِ الْقِتَالِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا ابْنُ عُمَرَ لِيُبَيِّنَّ سَبَبَ وَهَمِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ هَاجَرَ قَبْلَ أَبِيهِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي وَقَعَ لَهُ أَنَّهُ بَايَعَ قَبْلَ أَبِيهِ ، فَلَمَّا كَانَتْ بَيْعَتُهُ قَبْلَ بَيْعَةِ أَبِيهِ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هِجْرَتَهُ كَانَتْ قَبْلَ هِجْرَةِ أَبِيهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا بَادَرَ إِلَى الْبَيْعَةِ قَبْلُ حِرْصًا عَلَى تَحْصِيلِ الْخَيْرِ ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لِذَلِكَ لَا يَنْفَعُ عُمَرَ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الدَّاوُدِيُّ ، وَعَارَضَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ مِثْلَهُ يَرِدُ فِي الْهِجْرَةِ الَّتِي أَنْكَرَ كَوْنَهَا كَانَتْ سَابِقَةً ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَنْكَرَ وُقُوعَ ذَلِكَ لَا كَرَاهِيَتَهُ لَوْ وَقَعَ ، أَوِ الْفَرْقُ أَنَّ زَمَنَ الْبَيْعَةِ يَسِيرٌ جِدًّا بِخِلَافِ زَمَنِ الْهِجْرَةِ ، وَأَيْضًا فَلَعَلَّ الْبَيْعَةَ لَمْ تَكُنْ عَامَّةً بِخِلَافِ الْهِجْرَةِ ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ خَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ الْبَيْعَةُ فَبَادَرَ إِلَى تَحْصِيلِهَا ، ثُمَّ أَسْرَعَ إِلَى أَبِيهِ فَأَخْبَرَهُ فَسَارَعَ إِلَى الْبَيْعَةِ فَبَايَعَ ، ثُمَّ أَعَادَ ابْنُ عُمَرَ الْبَيْعَةَ ثَانِيَ مَرَّةٍ . قَوْلُهُ : ( نُهَرْوِلُ ) الْهَرْوَلَةُ ضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ بَيْنَ الْمَشْيِ عَلَى مَهْلٍ وَالْعَدْوِ .