حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ

حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ ، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ مِنْ النَّبْلِ ، فَيَقُولُ : انْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ ، قَالَ : وَيُشْرِفُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ، وَأُمَّ سُلَيْمٍ ، وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تُنْقِزَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا ، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلَاثًا . قَوْلُهُ : ( عَبْدُ الْعَزِيزِ ) هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ . قَوْلُهُ : ( انْهَزَمَ النَّاسُ ) أَيْ بَعْضُهُمْ ، أَوْ أَطْلَقَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّقِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُمْ صَارُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ : فِرْقَةٌ اسْتَمَرُّوا فِي الْهَزِيمَةِ إِلَى قُرْبِ الْمَدِينَةِ ، فَمَا رَجَعُوا حَتَّى انْفَضَّ الْقِتَالُ وَهُمْ قَلِيلٌ ، وَهُمُ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَفِرْقَةٌ صَارُوا حَيَارَى لَمَّا سَمِعُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُتِلَ ، فَصَارَ غَايَةُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَنْ يَذُبَّ عَنْ نَفْسِهِ ، أَوْ يَسْتَمِرَّ عَلَى بَصِيرَتِهِ فِي الْقِتَالِ إِلَى أَنْ يُقْتَلَ ، وَهُمْ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ .

وَفِرْقَةٌ ثَبَتَتْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ تَرَاجَعَ إِلَيْهِ الْقِسْمُ الثَّانِي شَيْئًا فَشَيْئًا لَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ حَيٌّ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِعِ ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُخْتَلَفِ الْأَخْبَارِ فِي عِدَّةِ مَنْ بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَائِذٍ مِنْ مُرْسَلِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ : لَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ ثَبَتَ مَعَهُ سَبْعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَسَبْعَةٌ مِنَ قُرَيْشٍ ، وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : أَفْرَدَ فِي سَبْعَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ طَلْحَةُ ، وَسَعْدٌ ، وَقَدْ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمِ الْوَاقِدِيُّ ، وَاقْتَصَرَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَلَى ذِكْرِ طَلْحَةَ ، وَسَعْدٍ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ أَنَّ ابْنَ قَمِئَةَ لَمَّا رَمَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ وَشَجَّهُ فِي وَجْهِهِ وَتَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ مُنْهَزِمِينَ ، وَجَعَلَ يَدْعُوهُمَا فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ ثَلَاثُونَ رَجُلًا ، فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْقِصَّةِ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو طَلْحَةَ ) هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَهُوَ زَوْجُ وَالِدَةِ أَنَسٍ ، وَكَانَ أَنَسٌ حَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهُ .

قَوْلُهُ : ( مُجَوِّبٌ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ مُتَرِّسٌ ، وَيُقَالُ لِلتُّرْسِ جَوْبَةٌ ، وَالْحَجَفَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ وَالْفَاءِ هِيَ التُّرْسُ . قَوْلُهُ : ( شَدِيدُ النَّزْعِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالزَّايِ السَّاكِنَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ أَيْ رَمْيُ السَّهْمِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ : كَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْيِ ، وَكَانَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتُرْسٍ وَاحِدٍ . قَوْلُهُ : ( كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ) أَيْ مِنْ شِدَّةِ الرَّمْيِ .

قَوْلُهُ : ( بِجُعْبَةٍ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هِيَ الْآلَةُ الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا السِّهَامُ . قَوْلُهُ : ( لَا تُشْرِفُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْإِشْرَافِ ، وَلِأَبِي الْوَقْتِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الشِّينِ أَيْضًا وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، وَأَصْلُهُ تَتَشَرَّفُ ، أَيْ : لَا تَطْلُبُ الْإِشْرَافَ عَلَيْهِمْ . قَوْلُهُ : ( يُصِبْكَ ) بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ النَّهْيِ .

وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ : يُصِيبُكَ بِالرَّفْعِ وَهُوَ جَائِزٌ عَلَى تَقْدِيرِ ، كَأَنَّهُ قَالَ مَثَلًا : لَا تُشْرِفُ فَإِنَّهُ يُصِيبُكَ . قَوْلُهُ : ( نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ ) أَيْ أَفْدِيكَ بِنَفْسِي . قَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ) أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ( وَأُمَّ سُلَيْمٍ ) أَيْ وَالِدَةَ أَنَسٍ .

قَوْلُهُ : ( أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ جَمْعُ خَدَمَةٍ وَهِيَ الْخَلَاخِيلُ ، وَقِيلَ : الْخَدَمَةُ أَصْلُ السَّاقِ ، وَالسُّوقُ جَمْعُ سَاقٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ ، وَكَذَا شَرْحُ قَوْلِهِ : تَنْقُزَانِ الْقِرَبِ وَالِاخْتِلَافُ فِي لَفْظِهِ . قَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِ أَبِي طَلْحَةَ ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ : مِنْ يَدَيِّ بِالتَّثْنِيَةِ . قَوْلُهُ : ( إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلَاثًا ) .

زَادَ مُسْلِمٌ ، عَنِ الدَّارِمِيِّ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنَ النُّعَاسِ ، فَأَفَادَ سَبَبَ وُقُوعِ السَّيْفِ مِنْ يَدِهِ ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ : كُنْتُ فِيمَنْ يَغْشَاهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدَيَّ مِرَارًا ، وَلِأَحْمَدَ ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ : رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ وَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يَمِيلُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعَاسِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث