بَاب إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ : أَيْ عِبَادَ اللَّهِ ، أُخْرَاكُمْ ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ ، فَبَصُرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ ، فَقَالَ : أَيْ عِبَادَ اللَّهِ ، أَبِي أَبِي ، قَالَ : قَالَتْ : فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ، قَالَ عُرْوَةُ : فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ . بَصُرْتُ عَلِمْتُ مِنْ الْبَصِيرَةِ فِي الْأَمْرِ ، وَأَبْصَرْتُ : مِنْ بَصَرِ الْعَيْنِ ، وَيُقَالُ : بَصُرْتُ وَأَبْصَرْتُ وَاحِدٌ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ : أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ ) أَيِ احْتَرِزُوا مِنْ جِهَةِ أُخْرَاكُمْ ، وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ يَخْشَى أَنْ يُؤْتَى عِنْدَ الْقِتَالِ مِنْ وَرَائِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا تَرَكَ الرُّمَاةُ مَكَانَهُمْ وَدَخَلُوا يَنْتَهِبُونَ عَسْكَرَ الْمُشْرِكِينَ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ .
قَوْلُهُ : ( فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ ) أَيْ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مِنَ الْعَدُوِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا رَجَعُوا اخْتَلَطُوا بِالْمُشْرِكِينَ وَالْتَبَسَ الْعَسْكَرَانِ فَلَمْ يَتَمَيَّزُوا ، فَوَقَعَ الْقَتْلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ . قَوْلُهُ : ( فَبَصُرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ ، فَقَالَ : أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَأَعَادَهَا تَأْكِيدًا ، وَإِنَّمَا ضَبَطَهُ لِئَلَّا يُصَحَّفَ بِأُبَيٍّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مَعَ التَّشْدِيدِ ، وَأَفَادَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ الَّذِي قَتَلَ الْيَمَانَ خَطَأً عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، قَالَ : كَانَ الْيَمَانُ وَالِدُ حُذَيْفَةَ ، وَثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ ، فَتَرَكَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، فَتَذَاكَرَا بَيْنَهُمَا وَرَغِبَا فِي الشَّهَادَةِ ، فَأَخَذَا سَيْفَيْهِمَا وَلَحِقَا بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ ، فَلَمْ يَعْرِفُوا بِهِمَا ، فَأَمَّا ثَابِتٌ فَقَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ ، وَأَمَّا الْيَمَانُ فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَسْيَافُ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عُرْوَةُ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَنَاقِبِ .
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَقَالَ حُذَيْفَةُ : قَتَلْتُمْ أَبِي . قَالُوا : وَاللَّهِ مَا عَرَفْنَاهُ . وَصَدَقُوا ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَدِيَهُ فَتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَزَادَهُ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْرًا وَفِيهِ : تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ التِّينِ حَيْثُ قَالَ : إِنَّ الرَّاوِيَ سَكَتَ فِي قَتْلِ الْيَمَانِ عَمَّا يَجِبُ فِيهِ مِنَ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لَمْ تُفْرَضْ يَوْمَئِذٍ ، أَوِ اكْتَفَى بِعِلْمِ السَّامِعِ .