بَاب مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُرَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : رَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ . ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ بِهِ اللَّهُ مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ ، فَإِذَا هُمْ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ . قَوْلُهُ : ( أُرَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَذَا فِي الْأُصُولِ : أُرَى وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى أَظُنُّ ، وَالْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ الْبُخَارِيُّ كَأَنَّهُ شَكَّ هَلْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِهِ صِيغَةَ الرَّفْعِ أَمْ لَا ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَفِي التَّعْبِيرِ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو يَعْلَى ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فَلَمْ يَتَرَدَّدَا فِيهِ .
قَوْلُهُ : ( رَأَيْتُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : أُرِيتُ . قَوْلُهُ : ( أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا ) . فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ سَيْفِي وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْغَزْوَةِ أنَّهُ ذُو الْفَقَارِ .
قَوْلُهُ : ( فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ ) عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثُلْمًا وَعِنْدَ أَبِي الْأَسْوَدِ فِي الْمَغَازِي عَنْ عُرْوَةَ : رَأَيْتُ سَيْفِي ذَا الْفَقَارِ قَدِ انْقَصَمَ مِنْ عِنْدِ ظُبَّتِهِ ، وَكَذَا عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَسَبَقَ مَوْصُولًا ، وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ : كَأَنَّ الَّذِي رَأَى بِسَيْفِهِ مَا أَصَابَ وَجْهَهُ الْمُكَرَّمَ ، وَعِنْدَ ابْنِ هِشَامٍ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَأَمَّا الثُّلْمُ فِي السَّيْفِ فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقْتَلُ . قَوْلُهُ : ( وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ : بَقَرًا تُذْبَحُ وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابن عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى . قَوْلُهُ : ( وَاللَّهُ خَيْرٌ ) هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الرُّؤْيَا كَمَا جَزَمَ بِهِ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، كَذَا بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ، وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ وَصُنْعُ اللَّهِ خَيْرٌ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : مَعْنَاهُ رَأَيْتُ بَقَرًا تُنْحَرُ ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ خَيْرٌ .
قُلْتُ : فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَإِنِّي رَأَيْتُ وَاللَّهِ خَيْرًا ، رَأَيْتُ بَقَرًا . وَهِيَ أَوْضَحُ ، وَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ وَاللَّهِ بِالْجَرِّ وَخَيْرًا مَفْعُولُ رَأَيْتُ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : الْبَقَرُ فِي التَّعْبِيرِ بِمَعْنَى رِجَالٍ مُتَسَلِّحِينَ يَتَنَاطَحُونَ .
قُلْتُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَقَدْ رَأَى الْمَلِكُ بِمِصْرَ الْبَقَرَ وَأَوَّلَهَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالسِّنِينَ . وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُرْسَلِ عُرْوَةَ : تَأَوَّلْتُ الْبَقَرَ الَّتِي رَأَيْتُ بَقْرًا يَكُونُ فِينَا ، قَالَ : فَكَانَ ذَلِكَ مَنْ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ اهـ ، وَقَوْلُهُ : بَقْرٌ هُوَ بِسُكُونِ الْقَافِ وَهُوَ شَقُّ الْبَطْنِ ، وَهَذَا أَحَدُ وُجُوهِ التَّعْبِيرِ أَنْ يُشْتَقَّ مِنَ الِاسْمِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِوَجْهٍ آخَرَ مِنْ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ وَهُوَ التَّصْحِيفُ فَإِنَّ لَفْظَ بَقَرٍ مِثْلُ لَفْظِ نَفَرٍ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ خَطًّا . وَعِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرَأَيْتُ بَقَرًا مُنَحَّرَةً - وَقَالَ فِيهِ - فَأَوَّلْتُ أَنَّ الدِّرْعَ الْمَدِينَةُ وَالْبَقَرَ نَفَرٌ هَكَذَا فِيهِ بِنُونٍ وَفَاءٍ ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَسَيَأْتِي بَقِيَّةٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .