حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَهِيَ الْأَحْزَابُ

حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فَعَرَضَتْ كيدة شَدِيدَةٌ ، فَجَاءُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ فَقَالَ : أَنَا نَازِلٌ . ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ ، وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ في الكدية ، فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ .

فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي : رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ ، فَعِنْدَكِ شَيْءٌ ؟ فقَالَتْ : عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ ، فَذَبَحَتْ الْعَنَاقَ ، وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ ، حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ بالْبُرْمَةِ . ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَجِينُ قَدْ انْكَسَرَ ، وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الْأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ ، فَقُلْتُ : طُعَيِّمٌ لِي ، فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ . قَالَ : كَمْ هُوَ ؟ فَذَكَرْتُ لَهُ ، فقَالَ : كَثِيرٌ طَيِّبٌ .

قَالَ : قُلْ لَهَا لَا تَنْزِعْ الْبُرْمَةَ وَلَا الْخُبْزَ مِنْ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ ، فَقَالَ : قُومُوا . فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ . فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ : وَيْحَكِ جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ .

قَالَتْ : هَلْ سَأَلَكَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . فَقَالَ : ادْخُلُوا وَلَا تَضَاغَطُوا . فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ ، وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ ، فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ ، قَالَ : كُلِي هَذَا وَأَهْدِي ، فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَخْزُومِيِّ . قَوْلُهُ : ( أَتَيْتُ جَابِرًا فَقَالَ : إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْمَحَارِبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْوِيهِ عَنْكَ فَقَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ . قَوْلُهُ : ( فَعَرَضَتْ كَيْدَةٌ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ ، قِيلَ : هِيَ الْقِطْعَةُ الشَّدِيدَةُ الصُّلْبَةُ مِنَ الْأَرْضِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : كَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا وَاحِدَةُ الْكَيْدِ كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ الْكَيْدَ - وَهِيَ الْجِبِلَّةُ - أَعْجَزَهُمْ فَلَجئوا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ وَهَهُنَا كُدْيَةٌ مِنَ الْجَبَلِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ وَهِيَ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَقْدِيمِ الدَّالِ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ الصُّلْبَةُ الصَّمَّاءُ .

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ كِنْدَةٌ بِنُونٍ ، وَعِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ كَتِدَةٌ بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ قَالَ عِيَاضٌ : لَا أَعْرِفُ لَهُمَا مَعْنًى ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : هَذِهِ كُدْيَةٌ قَدْ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ : رُشُّوهَا بِالْمَاءِ فَرَشُّوهَا . قَوْلُهُ : ( أَنَا نَازِلٌ ، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ ) زَادَ يُونُسُ مِنَ الْجُوعِ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى رَبَطَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ وَفَائِدَةُ رَبْطِ الْحَجْرِ عَلَى الْبَطْنِ أَنَّهَا تُضْمِرُ مِنَ الْجُوعِ فَيُخْشَى عَلَى انْحِنَاءِ الصُّلْبِ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ فَإِذَا وَضَعَ فَوْقَهَا الْحَجَرَ وَشَدَّ عَلَيْهَا الْعِصَابَةَ اسْتَقَامَ الظَّهْرُ ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : لَعَلَّهُ لِتَسْكِينِ حَرَارَةِ الْجُوعِ بِبَرْدِ الْحَجَرِ ، وَلِأَنَّهَا حِجَارَةٌ رِقَاقٌ قَدْرَ الْبَطْنِ تَشُدُّ الْأَمْعَاءَ فَلَا يَتَحَلَّلُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْبَطْنِ فَلَا يَحْصُلُ ضَعْفٌ زَائِدٌ بِسَبَبِ التَّحَلُّلِ . قَوْلُهُ : ( وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا ) هِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أَوْرَدَهَا لِبَيَانِ السَّبَبِ فِي رَبْطِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَا نَطْعَمُ شَيْئًا أَوْ لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ .

قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيِ الْمِسْحَاةُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ أَوِ الْمِسْحَاةَ بِالشَّكِّ . قَوْلُهُ : ( فَضَرَبَ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ سَمَّى ثَلَاثًا ثُمَّ ضَرَبَ وَعِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : ضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَنْدَقِ ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ وَبِهِ بَدَيْنَا وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا فَحَبَّذَا رَبًّا وَحَب دِينَا قَوْلُهُ : ( فَعَادَ كَثِيبًا ) أَيْ رَمْلًا . قَوْلُهُ : ( هيَلَ أَوْ أَهْيَمَ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَهْيَلَ بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَكَذَا عِنْدَ يُونُسَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ كَثِيبًا يُهَالُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صَارَ رَمْلًا يَسِيلُ وَلَا يَتَمَاسَكُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا أَيْ : رَمْلًا سَائِلًا ، وَأَمَّا أَهْيَمُ فَقَالَ عِيَاضٌ : ضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ بِالْمُثَلَّثَةِ وَبَعْضُهُمْ بِالْمُثَنَّاةِ وَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا تَكَسَّرَتْ ، وَالْمَعْرُوفُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ بِمَعْنَى أَهْيَلَ ، وَقَدْ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ الْمُرَادُ الرِّمَالُ الَّتِي لَا يَرْوِيهَا الْمَاءُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي تَفْسِيرِهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ .

وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ زِيَادَةٌ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ حِينُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ عَرَضَتْ لَنَا فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ صَخْرَةٌ لَا نأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ ، فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَجَاءَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ . فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَهَا ، وَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ السَّاعَةَ . ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ الثُّلُثَ الْآخَرَ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسٍ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ أَبْيَضَ .

ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ; فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا السَّاعَةَ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ وَفِي أَوَّلِهِ خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَنْدَقَ لِكُلِّ عَشْرَةِ أُنَاسٍ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ - وَفِيهِ - فَمَرَّتْ بِنَا صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ كَسَرَتْ مَعَاوِيلَنَا فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْدِلَ عَنْهَا فَقُلْنَا : حَتَّى نُشَاوِرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ سَلْمَانَ - وَفِيهِ - فَضَرَبَ ضَرْبَةً صَدَعَ الصَّخْرَةَ وَبَرَقَ مِنْهَا بَرْقَةٌ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ - وَفِيهِ - رَأَيْنَاكَ تُكَبِّرُ فَكَبَّرْنَا بِتَكْبِيرِكَ فَقَالَ : إِنَّ الْبَرْقَةَ الْأُولَى أَضَاءَتْ لَهَا قُصُورُ الشَّامِ ، فَأَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهِمْ - وَفِي آخِرِهِ - فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ وَاسْتَبْشَرُوا . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ ) زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَأَذِنَ لِي ، وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ زِيَادَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : احْتَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَنْدَقَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ شَدُّوا الْحِجَارَةَ عَلَى بُطُونِهِمْ مِنَ الْجُوعِ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : هَلْ دَلَلْتُمْ عَلَى رَجُلٍ يُطْعِمُنَا أَكْلَةً ؟ قَالَ رَجُلٌ : نَعَمْ ، قَالَ : أَمَّا لَا فَتَقَدَّمَ .

الْحَدِيثَ ، وَكَأَنَّهُ جَابِرٌ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ فِي قَوْلِهِ : ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي ) اسْمُهَا سُهَيْلَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيَّةُ . قَوْلُهُ : ( عِنْدِي شَعِيرٌ ) بَيَّنَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ صَاعٌ .

قَوْلُهُ : ( وَعَنَاقٌ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ هِيَ الْأُنْثَى مِنَ الْمَعْزِ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ الَّتِي تِلْوَ هَذِهِ فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ ، وَلَنَا بَهِيمَةٌ دَاجِنٌ أَيْ سَمِينَةٌ ، وَالدَّاجِنُ الَّتِي تُتْرَكُ فِي الْبَيْتِ وَلَا تَفْلِتُ لِلْمَرْعَى ، وَمِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَسْمَنَ . وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ سَمِينَةٌ . قَوْلُهُ : ( فَذَبَحْتُ ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ التَّاءِ ، وَقَوْلُهُ : ( طَحَنَتْ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ ، فَالَّذِي ذَبَحَ هُوَ جَابِرٌ ، وَامْرَأَتُهُ الَّتِي طَحَنَتْ .

وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَأَمَرْتُ امْرَأَتِي فَطَحَنَتْ لَنَا الشَّعِيرَ وَصَنَعَتْ لَنَا مِنْهُ خُبْزًا . قَوْلُهُ : ( وَالْعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ ) أَيْ لَانَ وَرَطِبَ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ الْخَمِيرُ . قَوْلُهُ : ( وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الْأَثَافِيِّ ) بِمُثَلَّثَةٍ وَفَاءٍ أَيِ الْحِجَارَةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَيْهَا الْقِدْرُ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ .

قَوْلُهُ : ( حَتَّى جَعَلْنَا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى جَعَلَتْ . قَوْلُهُ : ( فِي الْبُرْمَةِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ . قَوْلُهُ : ( طُعَيِّمٌ ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَحْقِيرِهِ ، قَالُوا : مِنْ تَمَامِ الْمَعْرُوفِ تَعْجِيلُهُ وَتَحْقِيرُهُ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ .

قَوْلُهُ : ( فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ وَرَجُلَانِ بِالْجَزْمِ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ بَعْدَ هَذِهِ فَقُمْ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَكُنْتُ أُرِيدُ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : قُومُوا ، فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا : قُومُوا وَهِيَ أَوْضَحُ ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الْمُهَاجِرِينَ بِذَلِكَ ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَمَنْ مَعَهُمْ ، وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمْ ، وَفِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ : فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ : وَيْحَكِ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ : هَلْ سَأَلَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .

فَقَالَ : ادْخُلُوا ) فِي هَذَا السِّيَاقِ اخْتِصَارٌ ، وَبَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ قَالَ : فَلَقِيتُ مِنَ الْحَيَاءِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقُلْتُ : جَاءَ الْخَلْقُ عَلَى صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ وَعَنَاقٍ ، فَدَخَلْتُ عَلَى امْرَأَتِي أَقُولُ : افْتَضَحْتُ ، جَاءَكِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْخَنْدَقِ أَجْمَعِينَ . فَقَالَتْ : هَلْ كَانَ سَأَلَكَ كَمْ طَعَامُكَ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . فَقَالَتْ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، وَنَحْنُ قَدْ أَخْبَرْنَاهُ بِمَا عِنْدَنَا ، فَكَشَفَتْ عَنِّي غَمًّا شَدِيدًا .

وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ فَجِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ : بِكَ وَبِكَ . فَقُلْتُ : قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ . وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ : لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ ، فَجِئْتُ فَسَارَرْتُهُ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا أَوْصَتْهُ أَوَّلًا بِأَنْ يُعْلِمَهُ بِالصُّورَةِ ، فَلَمَّا قَالَ لَهَا إِنَّهُ جَاءَ بِالْجَمِيعِ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ فَخَاصَمَتْهُ ، فَلَمَّا أَعْلَمَهَا أَنَّهُ أَعْلَمَهُ سَكَنَ مَا عِنْدَهَا لِعِلْمِهَا بِإِمْكَانِ خَرْقِ الْعَادَةِ ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُفُورِ عَقْلِهَا وَكَمَالِ فَضْلِهَا .

وَقَدْ وَقَعَ لَهَا مَعَ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ التَّمْرِ أَنَّ جَابِرًا أَوْصَاهَا لَمَّا زَارَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِانْصِرَافَ نَادَتْهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي . فَقَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى زَوْجِكِ . فَعَاتَبَهَا جَابِرٌ ، فَقَالَتْ لَهُ : أَكُنْتَ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُورِدُ رَسُولَهُ بَيْتِي ثُمَّ يَخْرُجُ وَلَا أَسْأَلُهُ الدُّعَاءَ .

أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ لِجَابِرٍ : فَارْجِعْ إِلَيْهِ فَبَيِّنْ لَهُ ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا هِيَ عَنَاقٌ وَصَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ ، قَالَ : فَارْجِعْ فَلَا تُحَرِّكَنَّ شَيْئًا مِنَ التَّنُّورِ وَلَا مِنَ الْقِدْرِ حَتَّى آتِيَهَا ، وَاسْتَعِرْ صِحَافًا . قَوْلُهُ : ( وَلَا تَضَاغَطُوا ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَغَيْرِ مُعْجَمَةٍ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُشَالَةٍ ، أَيْ لَا تَزْدَحِمُوا ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ . قَوْلُهُ : ( وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ ) أَيْ يُغَطِّيهَا .

قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَنْزِعُ ) أَيْ يَأْخُذُ اللَّحْمَ مِنَ الْبُرْمَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الَّتِي تِلْوَ هَذِهِ فَقَالَ : ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكَ أَيْ تُسَاعِدْكَ ، وَقَوْلُهُ : وَاقْدَاحِي مِنْ بُرْمَتِكِ أَيِ اغْرِفِي ، وَالْمِقْدَحَةُ الْمِغْرَفَةُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ وَأَقْعَدَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً فَأَكَلُوا . قَوْلُهُ : ( وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا - أَيْ لَقَدْ أَكَلُوا - حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ أَيْ رَجَعُوا ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ فَمَا زَالَ يُقَرِّبُ إِلَى النَّاسِ حَتَّى شَبِعُوا أَجْمَعُونَ ، وَيَعُودُ التَّنُّورُ وَالْقِدْرُ أَمْلَأَ مَا كَانَا . قَوْلُهُ : ( كُلِي هَذَا وَأَهْدِي ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ فِعْلُ أَمْرٍ لِلْمَرْأَةِ مِنَ الْهَدِيَّةِ ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ كُلِي وَأَهْدِي ، فَلَمْ نَزَلْ نَأْكُلُ وَنُهْدِي يَوْمَنَا أَجْمَعَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ فَأَكَلْنَا نَحْنُ وَأَهْدَيْنَا لِجِيرَانِنَا ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي تَكْثِيرِ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ أَيْضًا فِي قِصَّةٍ أُخْرَى بِمَا يُغْنِي عَنِ الْإِعَادَةِ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث