بَاب بَعْثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَام وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْيَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا قَالَ : فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ : بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ ، وَأَقْرَعَ بْنِ حابِسٍ ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً قَالَ : فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ ، كَثُّ اللِّحْيَةِ ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ ، مُشَمَّرُ الْإِزَارِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اتَّقِ اللَّهَ ، قَالَ : وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ ؟ قَالَ : ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ قَالَ : لَا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي ، فَقَالَ خَالِدٌ : وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ قُلُوبِ النَّاسِ ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ . قَالَ : ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَفٍّ فَقَالَ : إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ، وَأَظُنُّهُ قَالَ : لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ) ابْنِ شُبْرُمَةَ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ ، وَنُعْمٌ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ . قَوْلُهُ : ( بِذُهَيْبَةٍ ) تَصْغِيرُ ذَهَبَةٍ ، وَكَأَنَّهُ أَنَّثَهَا عَلَى مَعْنَى الطَّائِفَةِ أَوِ الْجُمْلَةِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : عَلَى مَعْنَى الْقِطْعَةِ . وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا كَانَتْ تِبْرًا ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ الذَّهَبُ فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ ، وَفِي مُعْظَمِ النُّسَخِ مِنْ مُسْلِمٍ بِذَهَبَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ .
قَوْلُهُ : ( فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ ) بِظَاءٍ مُعْجَمَةٍ مُشَالَةٍ أَيْ مَدْبُوغٍ بِالْقَرَظِ . قَوْلُهُ : ( لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا ) أَيْ لَمْ تُخَلَّصْ مِنْ تُرَابِ الْمَعْدِنِ فَكَأَنَّهَا كَانَتْ تِبْرًا وَتَخْلِيصُهَا بِالسَّبْكِ . قَوْلُهُ : ( بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ ) كَذَا نُسِبَ لِجَدِّهِ الْأَعْلَى .
وَهُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ ) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : فِيهِ شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ ذَا الْأَلْفِ وَاللَّامِ مِنَ الْأَعْلَامِ الْغَالِبَةِ قَدْ يُنْزَعَانِ عَنْهُ فِي غَيْرِ نِدَاءٍ وَلَا إِضَافَةٍ وَلَا ضَرُورَةٍ ، وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ عَنِ الْعَرَبِ : هَذَا يَوْمُ اثْنَيْنِ مُبَارَكٌ ، وَقَالَ مِسْكِينٌ الدَّارِمِيُّ ، وَنَابِغَةُ الْجَعْدِيُّ فِي الْجَعْدِيَّةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ عُيَيْنَةَ ، وَالْأَقْرَعِ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ ، وَقَدْ مَضَى فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ بِلَفْظِ وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ ثُمَّ الْمُجَاشِعِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَزَيْدِ الْخَيْلِ ) أَيِ ابْنِ مُهَلْهَلٍ الطَّائِيِّ .
وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ وَبَيْنَ زَيْدِ الْخَيْلِ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ وَقِيلَ لَهُ : زَيْدُ الْخَيْلِ لِكَرَائِمِ الْخَيْلِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ ، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدَ الْخَيْرِ بِالرَّاءِ بَدَلَ اللَّامِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَمَاتَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ ) أَيِ ابْنُ عُلَاثَةَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ الْعَامِرِيُّ ( وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ ) وَهُوَ الْعَامِرِيُّ ، وَجَزَمَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ بِأَنَّهُ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيُّ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كِلَابٍ ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ بَنِي عَامِرٍ ، وَكَانَ يَتَنَازَعُ الرِّيَاسَةَ هُوَ وَعَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ ، وَأَسْلَمَ عَلْقَمَةُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى حَوْرَانَ ، فَمَاتَ بِهَا فِي خِلَافَتِهِ . وَذِكْرُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ غَلَطٌ مِنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ كَانَ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ وَقَالُوا : يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا ، فَقَالَ : إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ وَالصَّنَادِيدُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ جَمْعُ صِنْدِيدٍ ، وَهُوَ الرَّئِيسُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَقِبَ قَوْلِ الْخَارِجِيِّ الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدَ هَذَا ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ . ( تَنْبِيهٌ ) : هَذِهِ الْقِصَّةُ غَيْرُ الْقِصَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ ، وَوَهَمَ مَنْ خَلَطَهَا بِهَا .
وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الذُّهَبَيةِ فَقِيلَ : كَانَتْ خُمُسَ الْخُمُسِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ . وَقِيلَ مِنَ الْخُمُسِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ يَضَعُهُ فِي صِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ لِلْمَصْلَحَةِ . وَقِيلَ : مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ .
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ : مَنْ فِي السَّمَاءِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ . قَوْلُهُ : ( فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ ) بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ وَزْنُ فَاعِلٍ مِنَ الْغَوْرِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ عَيْنَيْهِ دَاخِلَتَانِ فِي مَحَاجِرِهِمَا لَاصِقَيْنِ بِقَعْرِ الْحَدَقَةِ ، وَهُوَ ضِدُّ الْجُحُوظِ . قَوْلُهُ : ( مُشْرِفٌ ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ أَيْ بَارِزُهُمَا ، وَالْوَجْنَتَانِ الْعَظْمَانِ الْمُشْرِفَانِ عَلَى الْخَدَّيْنِ .
قَوْلُهُ : ( نَاشِزٌ ) بِنُونٍ وَشَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَزَايٍ أَيْ مُرْتَفِعُهَا ، فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ نَاتِئُ الْجَبِينِ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ مِنَ النُّتُوءِ أَيْ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ عَلَى مَا حَوْلَهُ . قَوْلُهُ : ( مَحْلُوقٌ ) سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ التَّوْحِيدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الْخَوَارِجَ سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ ، وَكَانَ السَّلَفُ يُوَفِّرُونَ شُعُورَهُمْ لَا يَحْلِقُونَهَا ، وَكَانَتْ طَرِيقَةُ الْخَوَارِجِ حَلْقَ جَمِيعِ رُءُوسِهِمْ . قَوْلُهُ : ( أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ ) وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ فَقَالَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحًا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ اسْمُهُ نَافِعٌ وَرَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ ، وَقِيلَ اسْمُهُ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ السَّعْدِيُّ ، وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فَقَالَ عُمَرُ وَلَا تُنَافِيهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَأَلَ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ قَالَ : لَا ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي ) فِيهِ اسْتِعْمَالُ لَعَلَّ اسْتِعْمَالَ عَسَى ، نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ مَالِكٍ ، وَقَوْلُهُ : يُصَلِّي قِيلَ فِيهِ دَلَالَةٌ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يُقْتَلُ وَفِيهِ نَظَرٌ . قَوْلُهُ : ( أَنْ أُنَقِّبَ ) بِنُونٍ وَقَافٍ ثَقِيلَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ بِظَوَاهِرِ أُمُورِهِمْ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّمَا مَنَعَ قَتْلَهُ وَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَوْجَبَ الْقَتْلَ لِئَلَّا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهَ وَلَا سِيَّمَا مَنْ صَلَّى ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ .
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْهَمْ مِنَ الرَّجُلِ الطَّعْنَ فِي النُّبُوَّةِ ، وَإِنَّمَا نَسَبَهُ إِلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِي الْقِسْمَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَبِيرَةً ، وَالْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ بِالْإِجْمَاعِ . وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ وُقُوعِ الصَّغَائِرِ ، أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يُعَاقِبْ هَذَا الرَّجُلَ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْهُ ، بَلْ نَقَلَهُ عَنْهُ وَاحِدٌ ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُرَاقُ بِهِ الدَّمُ . انْتَهَى .
وَأَبْطَلَهُ عِيَاضٌ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَخَاطَبَهُ فِي الْمَلَإِ بِذَلِكَ حَتَّى اسْتَأْذَنُوهُ فِي قَتْلِهِ ، فَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئٍ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَادَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتَانِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ سَاكِنَةٌ ، وَفِي آخِرِهِ تَحْتَانِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ أَيْضًا ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِصَادَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ ، فَأَمَّا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ فَالْمُرَادُ بِهِ النَّسْلُ وَالْعَقِبُ ، وَزَعَمَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ الَّذِي بِالْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَاهُ ، وَحَكَى ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمَدِّ بِوَزْنِ قِنْدِيلٍ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَوْ مِنْ عَقِبِ هَذَا . قَوْلُهُ : ( يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ .
قَوْلُهُ : ( لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ . قَوْلُهُ : ( يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ مِنَ الْإِسْلَامِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَوَّلَ الدِّينَ هُنَا بِالطَّاعَةِ ، وَقَالَ : إِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ كَانُوا لَا يُطِيعُونَ الْخُلَفَاءَ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدِّينِ الْإِسْلَامُ كَمَا فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، وَخَرَجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الزَّجْرِ وَأَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ الْكَامِلِ .
وَزَادَ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ فِي رِوَايَتِهِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ وَهُوَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنِ الْمُغَيَّبَاتِ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ . قَوْلُهُ : ( وَأَظُنُّهُ قَالَ : لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِيهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ قَوْلُهُ : لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ مَعَ أَنَّهُ نَهَى خَالِدًا عَنْ قَتْلِ أَصْلِهِمْ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَرَادَ إِدْرَاكَ خُرُوجِهِمْ وَاعْتِرَاضِهِمُ الْمُسْلِمِينَ بِالسَّيْفِ ، وَلَمْ يَكُنْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ ، وَأَوَّلُ مَا ظَهَرَ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ شَهِيرَةٌ فِي الْأُصُولِ ، وَسَيَأْتِي الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ .