بَاب حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى
بَاب حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى 4533 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبِيدَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح . وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ هِشَامٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، عَنْ عَبِيدَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ : حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ - أَوْ أَجْوَافَهُمْ - نارا ، شَكَّ يَحْيَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى هِيَ تَأْنِيثُ الْأَوْسَطِ وَالْأَوْسَطُ الْأَعْدَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّوَسُّطَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِأَنَّ فُعْلَى مَعْنَاهَا التَّفْضِيلُ ، وَلَا يَنْبَنِي لِلتَّفْضِيلِ إِلَّا مَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ ، وَالْوَسَطُ بِمَعْنَى الْخِيَارِ ، وَالْعَدْلُ يَقْبَلُهُمَا ، بِخِلَافِ الْمُتَوَسِّطِ فَلَا يَقْبَلُهُمَا فَلَا يُبْنَى مِنْهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ) هُوَ الْجُعْفِيُّ ، وَيَزِيدُ هُوَ ابْنُ هَارُونَ ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَعَبِيدَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ هُوَ ابْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ . قَوْلُهُ : ( حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى ) أَيْ مَنَعُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى أَيْ عَنْ إِيقَاعِهَا ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ ، عَنْ عَلِيٍّ : شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَلِمُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ ، وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ : كَمَا حَبَسُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ يَعْنِي الْعَصْرَ ، وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ قَالَ : صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَمِنْ طَرِيقِ كُهَيْلِ بْنِ حَرْمَلَةَ سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ : اخْتَلَفْنَا فِيهَا وَنَحْنُ بِفِنَاءِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِينَا أَبُو هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ فَقَالَ : أَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ، فَقَامَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ : أَخْبَرَنَا أَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى ؟ فَقَالَ : أَرْسَلَنِي أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ أَسْأَلُهُ وَأَنَا غُلَامٌ صَغِيرٌ فَقَالَ : هِيَ الْعَصْرُ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رَفَعَهُ : الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : شَغَلَ الْأَحْزَابُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ : شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِمْ : إِنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، وَجَمَعَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي ذَلِكَ جُزْءًا مَشْهُورًا سَمَّاهُ كَشْفُ الْغِطَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى . فَبَلَغَ تِسْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا : أَحَدُهَا الصُّبْحُ أَوِ الظُّهْرُ أَوِ الْعَصْرُ أَوِ الْمَغْرِبُ أَوْ جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ ، فَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَبِي أُمَامَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَغَيْرِهِمْ ، نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُمْ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَنَقَلَهُ مَالِكٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُمَا ، وَنَقَلَهُ مَالِكٌ بَلَاغًا عَنْ عَلِيٍّ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ خِلَافُهُ ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ الصُّبْحَ فَقَنَتَ فِيهَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى الَّتِي أُمِرْنَا أَنْ نَقُومَ فِيهَا قَانِتِينَ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ ، وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ : صَلَّيْتُ خَلْفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ بِالْبَصْرَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَقُلْتُ لَهُمْ : مَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى ؟ قَالَ : هِيَ هَذِهِ الصَّلَاةُ .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّ فِيهَا الْقُنُوتَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ وَبِأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ فِي السَّفَرِ ، وَبِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْ جَهْرٍ وَصَلَاتَيْ سِرٍّ . وَالثَّانِي قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ ، وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةٌ أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا ، فَنَزَلَتْ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ، الْآيَةَ . وَجَاءَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَعَائِشَةَ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا الظُّهْرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا الظُّهْرُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ ، وَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَرْسَلُوا إِلَى أُسَامَةَ فَسَأَلُوهُ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ : هِيَ الظُّهْرُ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَزَادَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَجِيرِ فَلَا يَكُونُ وَرَاءَهُ إِلَّا الصَّفُّ أَوِ الصَّفَّانِ ، وَالنَّاسُ فِي قَائِلَتِهِمْ ، وَفِي تِجَارَتِهِمْ ، فَنَزَلَتْ .
وَالثَّالِثُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ : قُلْنَا لِعَبِيدَةَ : سَلْ عَلِيًّا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ : كُنَّا نَرَى أَنَّهَا الصُّبْحُ ، حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ : شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ، انْتَهَى . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدْفَعُ دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ : صَلَاةُ الْعَصْرِ مُدْرَجٌ مِنْ تَفْسِيرِ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، وَهِيَ نَصٌّ فِي أَنَّ كَوْنَهَا الْعَصْرَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَنَّ شُبْهَةَ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا الصُّبْحُ قَوِيَّةٌ ، لَكِنَّ كَوْنَهَا الْعَصْرَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَوْلِ أَحْمَدَ ، وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ الشَّافِعِيَّةِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَثَرِ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَابْنُ عَطِيَّةَ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ : نَزَلَ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ نُسِخَتْ فَنَزَلَتْ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ رَجُلٌ : فَهِيَ إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، فَقَالَ : أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ .
وَالرَّابِعُ نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : صَلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ الْمَغْرِبُ ، وَبِهِ قَالَ قُبَيْصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَخْرَجَهُ أَبُو جَرِيرٍ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهَا مُعْتَدِلَةٌ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ ، وَأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ فِي الْأَسْفَارِ وَأَنَّ الْعَمَلَ مَضَى عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا ، وَالتَّعْجِيلِ لَهَا فِي أَوَّلِ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ ، وَأَنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَا سِرٍّ وَبَعْدَهَا صَلَاتَا جَهْرٍ . وَالْخَامِسُ وَهُوَ آخِرُ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ : هِيَ كُلُّهُنَّ ، فَحَافِظُوا عَلَيْهِنَّ وَبِهِ قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ يَتَنَاوَلُ الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ ، فَعُطِفَ عَلَيْهِ الْوُسْطَى وَأُرِيدَ بِهَا كُلُّ الْفَرَائِضِ تَأْكِيدًا لَهَا ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَقْوَالِ فَالسَّادِسُ أَنَّهَا الْجُمُعَةُ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَاحْتَجَّ بِمَا اخْتَصَّتْ بِهِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ وَالْخُطْبَةِ ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مِنْ تَعْلِيقِهِ ، وَرَجَّحَهُ أَبُو شَامَةَ .
السَّابِعُ الظُّهْرُ فِي الْأَيَّامِ وَالْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . الثَّامِنُ الْعِشَاءُ نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْنِ لَا تُقْصَرَانِ ، وَلِأَنَّهَا تَقَعُ عِنْدَ النَّوْمِ فَلِذَلِكَ أُمِرَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا ، وَاخْتَارَهُ الْوَاحِدِيُّ . التَّاسِعُ الصُّبْحُ وَالْعِشَاءُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي أَنَّهُمَا أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ، وَبِهِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ .
الْعَاشِرُ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ لِقُوَّةِ الْأَدِلَّةِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قِيلَ إِنَّهُ الْوُسْطَى ، فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ الصُّبْحُ وَنَصُّ السُّنَّةِ الْعَصْرُ . الْحَادِيَ عَشَرَ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ . الثَّانِيَ عَشَرَ الْوِتْرُ ، وَصَنَّفَ فِيهِ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ جُزْءًا ، وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْأَخْنَائِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ فِي جُزْءِ رَأَيْتِهِ بِخَطِّهِ .
الثَّالِثَ عَشَرَ صَلَاةُ الْخَوْفِ . الرَّابِعَ عَشَرَ صَلَاةُ عِيدِ الْأَضْحَى . الْخَامِسَ عَشَرَ صَلَاةُ عِيدِ الْفِطْرِ .
السَّادِسَ عَشَرَ صَلَاةُ الضُّحَى . السَّابِعَ عَشَرَ وَاحِدَةٌ مِنَ الْخَمْسِ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَهُوَ اخْتِيَارُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ قَالَ كَمَا أُخْفِيَتْ لَيْلَةُ الْقَدرِ . الثَّامِنَ عَشَرَ أَنَّهَا الصُّبْحُ أَوِ الْعَصْرُ عَلَى التَّرْدِيدِ ، وَهُوَ غَيْرُ الْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ الْجَازِمِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقَالُ لَهُ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى .
التَّاسِعَ عَشَرَ التَّوَقُّفُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخْتَلِفِينَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ . الْعِشْرُونَ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَجَدْتُهُ عِنْدِي ، وَذَهَلْتُ الْآنَ عَنْ مَعْرِفَةِ قَائِلِهِ ، وَأَقْوَى شُبْهَةٍ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا غَيْرُ الْعَصْرِ مَعَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا أُبْهِمَتْ بَعْدَمَا عُيِّنَتْ كَذَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، قَالَ : وَصَارَ إِلَى أَنَّهَا أُبْهِمَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ ، قَالَ : وَهُوَ الصَّحِيحُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَعُسْرِ التَّرْجِيحِ . وَفِي دَعْوَى أَنَّهَا أُبْهِمَتْ ثُمَّ عُيِّنَتْ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ نَظَرٌ ، بَلْ فِيهِ أَنَّهَا عُيِّنَتْ ثُمَّ وُصِفَتْ ، وَلِهَذَا قَالَ الرَّجُلُ : فَهِيَ إِذَنِ الْعَصْرُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الْبَرَاءُ ، نَعَمْ جَوَابُ الْبَرَاءِ يُشْعِرُ بِالتَّوَقُّفِ لِمَا نُظِرَ فِيهِ مِنَ الِاحْتِمَالِ ، وَهَذَا لَا يَدْفَعُ التَّصْرِيحَ بِهَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا مَا رَوَى مُسْلِمٌ ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَمَرَتْهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا ، فَلَمَّا بَلَغَتْ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى قَالَ : فَأَمْلَتْ عَلَيَّ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَتْ : سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ قَالَ : كُنْتُ أَكْتُبُ مُصْحَفًا لِحَفْصَةَ فَقَالَتْ : إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي ، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ : أَمَرَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ سَوَاءً ، وَمِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ حَفْصَةَ أَمَرَتْ إِنْسَانًا أَنْ يَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا نَحْوَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ : أَنَّ حَفْصَةَ أَمَرَتْ مَوْلًى لَهَا أَنْ يَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهَا قَالَ نَافِعٌ : فَقَرَأْتُ ذَلِكَ الْمُصْحَفَ فَوَجَدْتُ فِيهِ الْوَاوَ فَتَمَسَّكَ قَوْمٌ بِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْعَصْرِ غَيْرَ الْوُسْطَى .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَصَحُّ إِسْنَادًا وَأَصْرَحُ ، وَبِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَدْ عُورِضَ بِرِوَايَةِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي مُصْحَفِهَا وَهِيَ الْعَصْرُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ زَائِدَةً ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ بِغَيْرِ وَاوٍ أَوْ هِيَ عَاطِفَةٌ لَكِنْ عَطْفَ صِفَةٍ لَا عَطْفَ ذَاتٍ ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ : وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَالْعَصْرِ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَحَدٌ ، وَلَعَلَّ أَصْلَ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّهَا نَزَلَتْ أَوَّلًا : وَالْعَصْرِ ، ثُمَّ نَزَلَتْ ثَانِيًا بَدَلَهَا : وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، فَجَمَعَ الرَّاوِي بَيْنَهُمَا ، وَمَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ لَا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلَالُ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى النَّصِّ الصَّرِيحِ بِأَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ ، قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ : حَاصِلُ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا غَيْرُ الْعَصْرِ يَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ : أَحَدُهَا تَنْصِيصُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ مِمَّنْ قَالَ مِنْهُمْ : إِنَّهَا الْعَصْرُ ، وَيَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْعَصْرِ بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ الْمَرْفُوعِ ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ فَتَبْقَى حُجَّةُ الْمَرْفُوعِ قَائِمَةً . ثَانِيهَا مُعَارَضَةُ الْمَرْفُوعِ بِوُرُودِ التَّأْكِيدِ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهَا كَالْحَثِّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا هُـوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ الْوَارِدُ فِي تَرْكِ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا . ثَالِثُهَا مَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ مِنْ قِرَاءَةِ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ، وَهَذَا يَرِدُ عَلَيْهِ إِثْبَاتُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْآحَادِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ ، وَكَوْنُهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلْمَنْصُوصِ صَرِيحًا ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ الْعَطْفُ صَرِيحًا فِي اقْتِضَاءِ الْمُغَايَرَةِ لِوُرُودِهِ فِي نَسَقِ الصِّفَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ انْتَهَى مُلَخَّصًا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أَحْوَالِ يَوْمِ الْخَنْدَقِ فِي الْمَغَازِي وَمَا يَتَعَلَّقُ بِقَضَاءِ الْفَائِتَةِ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ - أَوْ أَجْوَافَهُمْ - نَارًا شَكَّ يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّانُ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَأَشْعَرَ هَذَا بِأَنَّهُ سَاقَ الْمَتْنَ عَلَى لَفْظِهِ ، وَأَمَّا لَفْظُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ بِلَفْظِ : مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا ، وَلَمْ يَشُكَّ ، وَهُوَ لَفْظُ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ كَمَا مَضَى فِي الْمَغَازِي وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ كَمَا مَضَى فِي الْجِهَادِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَكَذَا لَهُ من رِوَايَةِ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو ، وَمِنْ طَرِيقِ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، عَنْ عَلِيٍّ : قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ - أَوْ قَالَ - قُبُورَهُمْ وَبُطُونَهُمْ ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ - أَوْ قُبُورَهُمْ - نَارًا ، أَوْ حَشَى اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ : مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا أَوْ قُلُوبَهُمْ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الشَّكُّ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ .
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : تَرَدُّدُ الرَّاوِي فِي قَوْلِهِ : مَلَأَ اللَّهُ أَوْ حَشَى يُشْعِرُ بِأَنَّ شَرْطَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى أَنْ يَتَّفِقَ الْمَعْنَى فِي اللَّفْظَيْنِ ، وَمَلَأَ لَيْسَ مُرَادِفًا لِحَشَى ، فَإِنَّ حَشَى يَقْتَضِي التَّرَاكُمَ وَكَثْرَةَ أَجْزَاءِ الْمَحْشُوِّ بِخِلَافِ مَلَأَ ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ مَنَعَ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ تَضَمَّنَ دُعَاءً صَدَرَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَهُوَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُشْرِكًا ، وَلَمْ يَقَعْ أَحَدُ الشِّقَّيْنِ وَهُوَ الْبُيُوتُ أَمَّا الْقُبُورُ فَوَقَعَ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مُشْرِكًا لَا مَحَالَةَ . وَيُجَابُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى سُكَّانِهَا وَبِهِ يَتَبَيَّنُ رُجْحَانُ الرِّوَايَةِ بِلَفْظِ قُلُوبِهِمْ أَوْ أَجْوَافِهِمْ .