حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب حُرُمٌ

الْمَائِدَةِ 1 - بَاب حُرُمٌ واحِدُهَا : حَرَامٌ ، فَبِمَا نَقْضِهِمْ بِنَقْضِهِمْ ، الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ جَعَلَ اللَّهُ ، تَبُوءُ : تَحْمِلُ ، دَائِرَةٌ دَوْلَةٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْإِغْرَاءُ : التَّسْلِيطُ ، أُجُورَهُنَّ مُهُورَهُنَّ ، الْمُهَيْمِنُ الْأَمِينُ ، الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ قَوْلُهُ : ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . سُورَةُ الْمَائِدَةِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ ، وَالْمَائِدَةُ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ ، أَيْ : مِيدَ بِهَا صَاحِبُهَا ، وَقِيلَ عَلَى بَابِهَا ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ مُبَيَّنًا بَعْدُ . قَوْلُهُ : وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَاحِدُهَا : حَرَامٌ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَزَادَ : حَرَامٌ بِمَعْنَى مُحْرِمٌ .

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابِ بِإِسْكَانِهَا وَهِيَ لُغَةٌ كَرُسُلٍ وَرُسْلٍ . قَوْلُهُ : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ : بِنَقْضِهِمْ ) هُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : فَبِمَا نَقْضِهِمْ أَيْ : فَبِنَقْضِهِمْ قَالَ : وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ مَا فِي كَلَامِهِمْ تَوْكِيدًا ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَبْلَهَا يُجَرُّ أَوْ يُرْفَعُ أَوْ يُنْصَبُ عَمِلَ فِيمَا بَعْدَهَا . قَوْلُهُ : الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ أَيْ : جَعَلَ اللَّهُ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أَيْ : جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ وَقَضَى ، وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : كَتَبَ لَكُمْ ، أَيْ : وَهَبَ لَكُمْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَمَرَ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَدَّرَهَا لِسُكْنَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْجُمْلَةِ ، فَلَا يَرِدُ كَوْنُ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ لَمْ يَسْكُنُوهَا ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُهُمْ ، بَلْ قَدْ سَكَنَهَا بَعْضُ أُولَئِكَ كَيُوشَعَ وَهُوَ مِمَّنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ قَطْعًا .

قَوْلُهُ : تَبُوءَ تَحْمِلَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ أَيْ : تَحْمِلَ إِثْمِي وَإِثْمَكَ . قَالَ : وَلَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ : تَبُوءَ ، أَيْ : تُقِرَّ ، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتُكَ وَدَمِي ، قَالَ : وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : إِثْمِي ، أَيْ : إِثْمُ قَتْلِي ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَتْلَ يَمْحُوَ خَطَايَا الْمَقْتُولِ ، وَتُحْمَلُ عَلَى الْقَاتِلِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ يُوَفَّى مِنْهَا الْمَقْتُولُ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : الْإِغْرَاءُ : التَّسْلِيطُ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا ، وَلَمْ أَعْرِفِ الْغَيْرَ وَلَا مَنْ عَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْصِحْ بِنَقْلِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَحَدٍ ، نَعَمْ سَقَطَ : وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، وَكَأَنَّهُ أَصْوَبُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : وَقَالَ غَيْرُ مَنْ فَسَّرَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ بِالْإِجَازَةِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَخْمَصَةٌ : مَجَاعَةٌ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْإِغْرَاءُ : التَّسْلِيطُ . وَهَذَا أَوْجَهُ .

وَتَفْسِيرُ الْمَخْمَصَةِ وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْأُخْرَى بَعْدَ هَذَا ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي وَضْعِ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ وَقَعَ مِمَّنْ نَسَخَ كِتَابَ الْبُخَارِيِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ غَالِبًا . وَتَفْسِيرُ الْإِغْرَاءِ بِالتَّسْلِيطِ يُلَازِمُ مَعْنَى الْإِغْرَاءِ . لأن حَقِيقَةُ الْإِغْرَاءِ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : التَّهْيِيجُ لِلْإِفْسَادِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( وأَغْرَيْنَا ) قَالَ : أَلْقَيْنَا ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ بِمَا وَقَعَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى .

قَوْلُهُ : أُجُورَهُنَّ مُهُورَهُنَّ ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ : ( الْمُهَيْمِنُ الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ ) أَوْرَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ قَالَ : الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ كَانَ قَبْلَهُ . وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَرْبَدَةَ التَّمِيمِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ قَالَ : مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ .

وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ : وَمُهَيْمِنًا مُفَيْعِلٌ مِنْ أَيْمَنَ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ هَاءً ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ثَعْلَبٌ فَبَالَغَ حَتَّى نَسَبَ قَائِلَهُ إِلَى الْكُفْرِ ؛ لِأَنَّ الْمُهَيْمِنَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى ، وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُصَغَّرُ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مُبْدَلًا مِنْ شَيْءٍ ، وَأَصْلُ الْهَيْمَنَةِ الْحِفْظُ وَالِارْتِقَابُ تَقُولُ : هَيْمَنَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ إِذَا صَارَ رَقِيبًا عَلَيْهِ فَهُوَ مُهَيْمِنٌ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : لَمْ يَجِئْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى هَذَا الْبِنَاءِ إِلَّا أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ : مُبَيْطِرٌ وَمُسَيْطِرٌ وَمُهَيْمِنٌ وَمُبَيْقِرٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سُفْيَانُ : مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ يَعْنِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ أَخَلَّ بِبَعْضِ الْفَرَائِضِ فَقَدْ أَخَلَّ بِالْجَمِيعِ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَطْلَقَ كَوْنَهَا أَشَدَّ مِنْ غَيْرِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا كَانَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْإِصْرِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ خَاصٍّ ، فَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَحْبَارِ ، فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، وَتُؤْمِنُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ ، وَتَشْهَدُ أَنَّهَا حَقٌّ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنَّكُمْ كَتَمْتُمْ مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ بِبَيَانِهِ ، فَأَنَا أَبْرَأُ مِمَّا أَحْدَثْتُمُوهُ .

قَالُوا : فَإِنَّا نَتَمَسَّكُ بِمَا فِي أَيْدِينَا مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ ، وَلَا نُؤْمِنُ بِكَ وَلَا بِمَا جِئْتَ بِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أَيِ الْقُرْآنُ . وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّفْسِيرَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا - إِلَى قَوْلِهِ : - لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ الْآيَةَ .

( تَنْبِيهٌ ) : سُفْيَانُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّهُ الثَّوْرِيُّ ، وَلَمْ يَقَعْ لِي إِلَى الْآنَ مَوْصُولًا . قَوْلُهُ : وَمَنْ أَحْيَاهَا يَعْنِي مَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا إِلَّا بِحَقِّ حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعًا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا سَبِيلًا وَسُنَّةً ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ .

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً أَيْ : سُنَّةً وَمِنْهَاجًا أَيْ : سَبِيلًا بَيِّنًا وَاضِحًا . قَوْلُهُ : عُثِرَ ظَهَرَ . الأَوْلَيَانِ وَاحَدُهَمَا أَوْلَى ) أَيْ : أَحَقُّ بِهِ طَعَامُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ ، كَذَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا إِلَّا الْأَخِيرَ فَسَيَأْتِي فِي الذَّبَائِحِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث