بَاب قَوْلِهِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
بَاب الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وقال ابن عباس : مَخْمَصَةٍ مجاعة 4606 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ : قَالَتْ الْيَهُودُ لِعُمَرَ : إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَاهَا عِيدًا ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنِّي لَأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ ، وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَتْ ؛ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَإِنَّا وَاللَّهِ بِعَرَفَةَ . قَالَ سُفْيَانُ : وَأَشُكُّ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَخْمَصَةٍ : مَجَاعَةٍ ) كَذَا ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ) هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ قَيْسٍ ) هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( قَالَتِ الْيَهُودُ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعُمَيْسِ ، عَنْ قَيْسٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ : أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَتُهُ هُنَاكَ وَأَنَّهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي حَيْثُ أَفْرَدَ السَّائِلَ أَرَادَ تَعْيِينَهُ ، وَحَيْثُ جَمَعَ أَرَادَ بِاعْتِبَارِ مَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى رَأْيِهِ ، وَأُطْلِقَ عَلَى كَعْبٍ هَذِهِ الصِّفَةَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ سُؤَالَهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا مَضَى .
قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَأَعْلَمُ ) وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اخْتِصَارٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ : فَقَالَ عُمَرُ : أَيُّ آيَةٍ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( حَيْثُ أُنْزِلَتْ ، وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ حَيْثُ أُنْزِلَتْ وَأَيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ . وَبِهَا يَظْهَرُ أَنْ لَا تَكْرَارَ فِي قَوْلِهِ حَيْثُ وَأَيْنَ ، بَلْ أَرَادَ بِإِحْدَاهُمَا الْمَكَانَ وَبِالْأُخْرَى الزَّمَانَ .
قَوْلُهُ : ( وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ : حِينَ بَدَلَ حَيْثُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أُنْزِلَتْ ، أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ بِتَكْرَارِ : أُنْزِلَتْ وَهِيَ أَوْضَحُ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّا وَاللَّهِ بِعَرَفَةَ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ : وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ . وَبُنْدَارٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ سُفْيَانُ : وَأَشُكُّ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ الْجَزْمُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَسَيَأْتِي الْجَزْمُ بِذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ مِسْعَرٍ ، عَنْ قَيْسٍ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ مُطَابَقَةِ جَوَابِ عُمَرَ لِلسُّؤَالِ ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ اتِّخَاذِهِ عِيدًا ، فَأَجَابَ بِنُزُولِهَا بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ لَنَا عِيدٌ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : أَجَابَ بِأَنَّ النُّزُولَ كَانَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَمِنَ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي بَعْدَ عَرَفَةَ هُوَ عِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : جَعَلْنَاهُ عِيدًا بَعْدَ إِدْرَاكِنَا اسْتِحْقَاقَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلتَّعَبُّدِ فِيهِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ يَوْمَ النُّزُولِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النُّزُولَ كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْعِيدُ إِلَّا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ : إِنَّ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ نَهَارًا تَكُونُ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، انْتَهَى . وَالتَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ تَسْمِيَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ يَوْمُ عِيدٍ يُغْنِي عَنْ هَذَا التَّكَلُّفِ ؛ فَإِنَّ الْعِيدَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَوْدِ ، وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعُودُ فِي كُلِّ عَامٍ . وَقَدْ نَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ ، عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ الْعِيدَ هُوَ السُّرُورُ الْعَائِدُ وَأَقَرَّ ذَلِكَ ، فَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ شُرِعَ تَعْظِيمُهُ يُسَمَّى عِيدًا انْتَهَى .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ عِيدٌ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ ، وَهُوَ لِلْحُجَّاجِ خَاصَّةً ، وَلِهَذَا يُكْرَهُ لَهُمْ صَوْمُهُ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَيُسْتَحَبُّ ، وَيَوْمُ الْعِيدِ لَا يُصَامُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ مَنْ رَوَى فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ عِيدٍ ، وَأَنَّهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَمَّا تَعْلِيلُهُ لِتَرْكِ جَعْلِهِ عِيدًا بِأَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يُتَّخَذَ عِيدًا ، وَيُعَظَّمُ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ أَوَّلِهِ لِوُقُوعِ مُوجَبِ التَّعْظِيمِ فِي أَثْنَائِهِ ، وَالتَّنْظِيرُ الَّذِي نَظَّرَ بِهِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ سَيْرِ الْهِلَالِ ، وَإِنِّي لَأَتَعَجَّبُ مِنْ خَفَاءِ ذَلِكَ عَلَيْهِ . وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، وَضَعَّفَ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْيَوْمَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ ، وَعَلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ ، فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَرُوحُوا إِلَى مِنًى وَصَلَّى الظُّهْرَ بِهَا ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : حَدِيثُ عُمَرَ أَوْلَى ، هُوَ كَمَا قَالَ .
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَزِيَّةِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَخْتَارُ لِرَسُولِهِ الْأَفْضَلَ ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ تَشْرُفُ بِشَرَفِ الْأَزْمِنَةِ كَالْأَمْكِنَةِ ، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الْحَدِيثَ ، وَلِأَنَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّاعَةَ الْمُسْتَجَابَ فِيهَا الدُّعَاءُ ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ رَزِينٌ فِي جَامِعِهِ مَرْفُوعًا : خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةٍ فِي غَيْرِهَا فَهُوَ حَدِيثٌ لَا أَعْرِفُ حَالَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ صَحَابِيَّهُ وَلَا مَنْ أَخْرَجَهُ ، بَلْ أَدْرَجَهُ فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُرْسَلًا عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ ، وَلَيْسَتِ الزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُوَطَّآتِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ احْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ بِالسَّبْعِينَ التَّحْدِيدُ أَوِ الْمُبَالَغَةُ ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَثَبَتَتِ الْمَزِيَّةُ بِذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .