حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

سُورَةُ حم الْجَاثِيَةِ

حم الْجَاثِيَةِ جاثية : مُسْتَوْفِزِينَ عَلَى الرُّكَبِ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : نَسْتَنْسِخُ نَكْتُبُ . نَنْسَاكُمْ نَتْرُكُكُمْ 4826 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ ، بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَوْلُهُ : ( سُورَةُ حم الْجَاثِيَةِ . ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ الْجَاثِيَةُ حَسْبُ .

قَوْلُهُ : جَاثِيَةً مُسْتَوْفِزِينَ عَلَى الرُّكَبِ ) كَذَا لَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ جَاثِيَةٌ قَالَ : عَلَى الرُّكَبِ . وَيُقَالُ : اسْتَوْفَزَ فِي قِعْدَتِهِ إِذَا قَعَدَ مُنْتَصِبًا قُعُودًا غَيْرَ مُطْمَئِنٍّ . قَوْلُهُ : نَسْتَنْسِخُ نَكْتُبُ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ فَذَكَرَهُ .

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَعْنَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ . قَوْلُهُ : نَنْسَاكُمْ نَتْرُكُكُمْ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ قَالَ : الْيَوْمَ نَتْرُكُكُمْ كَمَا تَرَكْتُمْ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ ، لِأَنَّ مَنْ نَسِيَ فَقَدْ تَرَكَ بِغَيْرِ عَكْسٍ .

قَوْلُهُ : ( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ : إِنَّمَا يُهْلِكُنَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، هُوَ الَّذِي يُمِيتُنَا وَيُحْيِينَا ، فَقَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا الْآيَةَ ، قَالَ : فَيَسُبُّونَ الدَّهْرَ ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ فَذَكَرَهُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَاهُ يُخَاطِبُنِي مِنَ الْقَوْلِ بِمَا يَتَأَذَّى مَنْ يَجُوزُ فِي حَقِّهِ التَّأَذِّي ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْأَذَى ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الْكَلَامِ . وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَرَّضَ لِسَخَطِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ : ( وَأَنَا الدَّهْرُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَا صَاحِبُ الدَّهْرِ وَمُدَبِّرُ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إِلَى الدَّهْرِ ، فَمَنْ سَبَّ الدَّهْرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَاعِلُ هَذِهِ الْأُمُورَ عَادَ سَبُّهُ إِلَى رَبِّهِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُهَا ، وَإِنَّمَا الدَّهْرُ زَمَانٌ جُعِلَ ظَرْفًا لِمَوَاقِعِ الْأُمُورِ . وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ إِذَا أَصَابَهُمْ مَكْرُوهٌ أَضَافُوهُ إِلَى الدَّهْرِ فَقَالُوا : بُؤْسًا لِلدَّهْرِ ، وَتَبًّا لِلدَّهْرِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ أَنَا الدَّهْرُ بِالرَّفْعِ فِي ضَبْطِ الْأَكْثَرِينَ وَالْمُحَقِّقِينَ ، وَيُقَالُ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ أَنَا بَاقٍ أَبَدًا ، وَالْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ الرَّفْعُ وَهُوَ مَجَازٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَسُبُّونَ الدَّهْرَ عِنْدَ الْحَوَادِثِ فَقَالَ : لَا تَسُبُّوهُ فَإِنَّ فَاعِلَهَا هُوَ اللَّهُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا تَسُبُّوا الْفَاعِلَ فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمُوهُ سَبَبْتُمُونِي .

أَوِ الدَّهْرُ هُنَا بِمَعْنَى الدَّاهِرُ ، فَقَدْ حَكَى الرَّاغِبُ أَنَّ الدَّهْرَ فِي قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ غَيْرُ الدَّهْرِ فِي قَوْلِهِ يَسُبُّ الدَّهْرَ قَالَ : وَالدَّهْرُ الْأَوَّلُ الزَّمَانُ وَالثَّانِي الْمُدَبِّرُ الْمُصَرِّفُ لِمَا يَحْدُثُ ، ثُمَّ اسْتُضْعِفَ هَذَا الْقَوْلُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ . ثُمَّ قَالَ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَعُدَّ الدَّهْرُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى . وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ مُحْتَجًّا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ فَكَانَ يَقُولُ : لَوْ كَانَ بِضَمِّهَا لَكَانَ الدَّهْرُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى .

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ رِوَايَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيُّ : يُصَوَّبُ ضَمُّ الرَّاءِ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْمَضْبُوطَ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ بِالضَّمِّ . ثَانِيهَا : لَوْ كَانَ بِالنَّصْبِ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ فَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُهُ ، فَلَا تَكُونُ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ سَبِّهِ مَذْكُورَةٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى يُقَلِّبُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ مَنْعُ الذَّمِّ . ثَالِثُهَا : الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ انْتَهَى .

وَهَذِهِ الْأَخِيرَةُ لَا تُعَيِّنُ الرَّفْعَ لِأَنَّ لِلْمُخَالِفَ أَنْ يَقُولَ : التَّقْدِيرُ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ يُقَلِّبُ ، فَتَرْجِعُ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَكَذَا تَرْكُ ذِكْرِ عِلَّةِ النَّهْيِ لَا يُعَيِّنُ الرَّفْعَ لِأَنَّهَا تُعْرَفُ مِنَ السِّيَاقِ ، أَيْ لَا ذَنْبَ لَهُ فَلَا تَسُبُّوهُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث