حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

سُورَةُ ن وَالْقَلَمِ

( 68 ) سُورَةُ ( ن وَالْقَلَمِ ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَقَالَ قَتَادَةُ : حَرْدٍ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَتَخَافَتُونَ ؛ يَنْتَجُونَ السِّرَارَ وَالْكَلَامَ الْخَفِيَّ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنا لَضَالُّونَ ؛ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا .

وَقَالَ غَيْرُهُ : كَالصَّرِيمِ ؛ كالصُّبْحُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ ، وَهُوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ . وَالصَّرِيمُ أَيْضًا الْمَصْرُومُ ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ ن وَالْقَلَمِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتْ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَالْمَشْهُورُ فِي " ن " أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ أَوَائِلِ السُّوَرِ فِي الْحُرُوفِ الْمُتَقَطِّعَةِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْفَرَّاءُ ، وَقِيلَ : بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْحُوتُ ، وَجَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا قَالَ : " أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ وَالْحُوتَ ، قَالَ : اكْتُبْ .

قَالَ : مَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : كُلَّ شَيْءٍ كَائِنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . ثُمَّ قَرَأَ : " ن " وَالْقَلَمِ " . فَالنُّونُ : الْحُوتُ ، وَالْقَلَمُ : الْقَلَمُ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ قَتَادَةُ : حَرْدٍ ؛ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ ) هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الِاجْتِهَادُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَضُبِطَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِفَتْحِ الْجِيمِ ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ : كَانَتِ الْجَنَّةُ لِشَيْخٍ ، وَكَانَ يُمْسِكُ قُوتَهُ سَنَةً وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ ، وَكَانَ بَنُوهُ يَنْهَوْنَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُمْ غَدَوْا عَلَيْهَا فَقَالُوا : لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ يَقُولُ : عَلَى جِدٍّ مِنْ أَمْرِهِمْ ؛ قَالَ مَعْمَرٌ : وَقَالَ الْحَسَنُ : عَلَى فَاقَةٍ .

وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : هُمْ نَاسٌ مِنَ الْحَبَشَةِ كَانَتْ لِأَبِيهِمْ جَنَّةٌ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَى أَنْ قَالَ : وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ قَالَ : أَمْرٌ مُجْتَمِعٌ
. وَقَدْ قِيلَ فِي حَرْدٍ إِنَّهَا اسْمُ الْجَنَّةِ ، وَقِيلَ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ فِيهِ أَقْوَالًا أُخْرَى : الْقَصْدُ وَالْمَنْعُ وَالْغَضَبُ وَالْحِقْدُ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَتَخَافَتُونَ ؛ يَنْتَجُونَ السِّرَارَ وَالْكَلَامَ الْخَفِيِّ ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ هُنَا ، وَثَبَتَ لِلْبَاقِينَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّا لَضَالُّونَ ؛ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ : أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَخْطَأْنَا الطَّرِيقَ ، مَا هَذِهِ جَنَّتُنَا . ( تَنْبِيهٌ ) : زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي هَذَا أَنْ يُقَالَ : ضَلَلْنَا ؛ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، تَقُولُ : ضَلَلْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَعَلْتَهُ فِي مَكَانٍ ثُمَّ لَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ ، وَأَضْلَلْتُ الشَّيْءَ إِذَا ضَيَّعْتَهُ ، انْتَهَى .

وَالَّذِي وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ صَحِيحُ الْمَعْنَى ، عَمِلْنَا عَمَلَ مَنْ ضَيَّعَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ أَوَّلِ أَضْلَلْنَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : كَالصَّرِيمِ ؛ كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ النَّهَارُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الصَّرِيمُ اللَّيْلُ الْمُسْوَدُّ .

ج٨ / ص٥٣٠قَوْلُهُ : ( وَهُوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الرَّمْلَةُ تَنْصَرِمُ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ فَيُقَالُ : صَرِيمَةٌ ، وَصَرِيمَةُ أَمْرِكَ قَطْعُهُ . قَوْلُهُ : ( وَالصَّرِيمُ أَيْضًا الْمَصْرُومُ ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ ) هُوَ مَحْصُلُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ؛ كَأَنَّهَا قَدْ صُرِمَتْ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّرِيمَ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَعَانٍ يَرْجِعُ جَمِيعُهَا إِلَى انْفِصَالِ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْفِعْلِ فَيُقَالُ : صَرِيمٌ ؛ بِمَعْنَى مَصْرُومٌ .

( تَكْمِيلٌ ) : قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ : أَخْبَرَنِي تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ : هِيَ - يَعْنِي الْجَنَّةَ الْمَذْكُورَةَ - أَرْضٌ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهَا : صِرْفَانُ ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَنْعَاءَ سِتَّةُ أَمْيَالٍ . قَوْلُهُ : تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ تُرَخِّصُ فَيُرَخِّصُونَ ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ هُنَا وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ أَيْضًا فِي " الْمُسْتَخْرَجِ " لِأَبِي نُعَيْمٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ : تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْمَعْنَى تَلِينُ فَيَلِينُونَ .

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هُوَ مِنَ الْمُدَاهَنَةِ . قَوْلُهُ : ( مَكْظُومٌ وَكَظِيمٌ : مَغْمُومٌ ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ هُنَا وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ ، وَرَأَيْتُهُ أَيْضًا فِي " مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ " ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَهُوَ مَكْظُومٌ مِنَ الْغَمِّ مِثْلُ كَظِيمٍ . وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ مَكْظُومٌ قَالَ : مَغْمُومٌ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث