حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب وَدًّا وَلَا سُواعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ

( 71 ) سُورَةُ نُوحٍ أَطْوَارًا : طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا ، يُقَالُ : عَدَا طَوْرَهُ أَيْ قَدْرَهُ . وَالْكُبَّارُ : أَشَدُّ مِنَ الْكِبَارِ ، وَكَذَلِكَ جَمَالٌ وَجَمِيلٌ لِأَنَّهَا أَشَدُّ مُبَالَغَةً ، وَكَذَلِكَ كُبَّارٌ الْكَبِيرُ ، وَكُبَارٌ أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ ، وَحُسَانٌ مُخَفَّفٌ وَجُمَالٌ مُخَفَّفٌ . دَيَّارًا : مِنْ دَوْرٍ ، وَلَكِنَّهُ فَيْعَالٌ مِنَ الدَّوَرَانِ كَمَا قَرَأَ عُمَرُ : الْحَيُّ الْقَيَّامُ ، وَهِيَ مِنْ قُمْتُ .

وَقَالَ غَيْرُهُ : دَيَّارًا أَحَدًا ، تَبَارًا هَلَاكًا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مِدْرَارًا يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَقَارًا عَظَمَةً . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ نُوحٍ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْجَمِيعِ .

قَوْلُهُ : ( أَطْوَارًا : طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا : نُطْفَةً ، ثُمَّ عَلَقَةً ، ثُمَّ مُضْغَةً ، ثُمَّ خَلْقًا آخَرَ . قَوْلُهُ : ( يُقَالُ : عَدَا طَوْرَهُ أَيْ قَدْرَهُ ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَالْكُبَّارُ أَشَدُّ مِنَ الْكِبَارِ ، وَكَذَلِكَ جُمَّالٌ وَجَمِيلٌ لِأَنَّهَا أَشَدُّ مُبَالَغَةً ؛ وَكَذَلِكَ كُبَّارٌ الْكَبِيرُ ، وَكُبَارٌ أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا قَالَ : مَجَازُهَا كَبِيرٌ ، وَالْعَرَبُ تُحَوِّلُ لَفْظَةَ كَبِيرٍ إِلَى فُعَالٍ مُخَفَّفَةٍ ثُمَّ يُثَقِّلُونَ لِيَكُونَ أَشَدَّ مُبَالَغَةً ، فَالْكُبَّارُ أَشَدُّ مِنَ الْكُبَارِ ، وَكَذَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ الْجَمِيلِ لِأَنَّهُ أَشَدُّ مُبَالَغَةً .

قَوْلُهُ : ( وَالْعَرَبُ تَقُولُ : رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ ، وَحُسَانٌ مُخَفَّفٌ وَجُمَالٌ مُخَفَّفٌ ) قَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا الْكُبَّارُ الْكَبِيرُ ، وَكُبَارٌ أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ . وَالْعَرَبُ تَقُولُ عَجَبٌ وَعُجَابٌ ، وَرَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ بِالتَّثْقِيلِ ، وَحُسَانٌ وَجُمَالٌ بِالتَّخْفِيفِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَشْبَاهِهِ . قَوْلُهُ : ( دَيَّارًا : مِنْ دَوْرٍ ، وَلَكِنَّهُ فَيْعَالٌ مِنَ الدَّوَرَانِ ) ؛ أَيْ أَصْلُهُ دَيْوَارٌ فَأُدْغِمَ ، وَلَوْ كَانَ أَصْلُهُ فَعَّالًا لَكَانَ دَوَّارًا ، وَهَذَا كَلَامُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : أَصْلُ دَيَّارٍ دَوَّارٌ ، وَالْوَاوُ إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا فَتْحَةٌ قُلِبَتْ يَاءً مِثْلَ أَيَّامٍ وَقِيَامٍ .

قَوْلُهُ : ( كَمَا قَرَأَ عُمَرُ : " الْحَيُّ الْقَيَّامُ " وَهِيَ مِنْ قُمْتُ ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الْفَرَّاءِ أَيْضًا ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَاسْتَفْتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَ : ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيَّامُ ) . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ ، وَأَخْرَجَهَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : دَيَّارًا أَحَدًا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَزَادَ : يَقُولُونَ لَيْسَ بِهَا دَيَّارٌ وَلَا عَرِيبٌ .

( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ مَنْ يُعْطَفُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : " وَقَالَ غَيْرُهُ " ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَنْسُوبًا لِقَائِلٍ فَحُذِفَ اخْتِصَارًا مِنْ بَعْضِ النَّقَلَةِ ، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ الْفَرَّاءُ . ج٨ / ص٥٣٥قَوْلُهُ : ( تَبَارًا : هَلَاكًا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مِدْرَارًا ؛ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طريق عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ .

قَوْلُهُ : ( وَقَارًا : عَظَمَةً ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ ، الْبُطَيْنِ عنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا قَالَ : مَا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ حَقَّ عَظَمَتِهِ . 1 - بَاب : وَدًّا وَلَا سُواعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ 4920 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ ، أَمَّا وَدٌّ فكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ ، وَأَمَّا سُوَاعٌ فكَانَتْ لِهُذَيْلٍ ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَأ ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ . أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا ، فَلَمْ تُعْبَدْ ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ .

قَوْلُهُ : ( بَابُ : وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ . قَوْلُهُ : ( عن ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ عَطَاءٌ ) كَذَا فِيهِ ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى كَلَامٍ مَحْذُوفٍ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَدًّا وَلا سُوَاعًا الْآيَةَ ، قَالَ : أَوْثَانٌ كَانَ قَوْمُ نُوحٍ يَعْبُدُونَهُمْ ، وَقَالَ عَطَاءٌ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ .

إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) قِيلَ : هَذَا مُنْقَطِعٌ ؛ لِأَنَّ عَطَاءً الْمَذْكُورَ هُوَ الْخُرَاسَانِيُّ وَلَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَقَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعِ التَّفْسِيرَ مِنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنَ ابْنِهِ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ فَنَظَرَ فِيهِ . وَذَكَرَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي " الْعِلَلِ " عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ يَحْيَى الْقَطَّانَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ فَقَالَ : ضَعِيفٌ .

فَقُلْتُ : إِنَّهُ يَقُولُ أَخْبَرَنَا . قَالَ : لَا شَيْءَ ، إِنَّمَا هُوَ كِتَابٌ دَفَعَهُ إِلَيْهِ ، انْتَهَى . وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَسْتَجِيزُ إِطْلَاقَ أَخْبَرَنَا فِي الْمُنَاوَلَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ .

وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : أُخْبِرْتُ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ " تَفْسِيرِ ابْنِ جُرَيْجٍ " كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَطَالَ عَلَى الْوَرَّاقِ أَنْ يَكْتُبَ الْخُرَاسَانِيَّ في كُلَّ حَدِيثٍ فَتَرَكَهُ ، فَرَوَاهُ مَنْ رَوَى عَلَى أَنَّهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، انْتَهَى . وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْقِصَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَنَبَّهَ عَلَيْهَا أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ فِي " تَقْيِيدِ الْمُهْمَلِ " ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ : قَالَ لِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ : سَأَلْتُ عَطَاءً عَنِ التَّفْسِيرِ مِنَ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ ، ثُمَّ قَالَ : اعْفِنِي مِنْ هَذَا . قَالَ : قَالَ هِشَامٌ : فَكَانَ بَعْدُ إِذَا قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ .

قَالَ هِشَامٌ : فَكَتَبْنَا ثُمَّ مَلِلْنَا ؛ يَعْنِي : كَتَبْنَا الْخُرَاسَانِيَّ . قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : وَإِنَّمَا بَيَّنْتُ هَذَا لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ ثَوْرٍ كَانَ يَجْعَلُهَا - يَعْنِي فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَيُظَنُّ ج٨ / ص٥٣٦أَنَّهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَقُلِ الْخُرَاسَانِيَّ ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ كَمَا تَقَدَّمَ فَقَالَ : الْخُرَاسَانِيُّ .

وَهَذَا مِمَّا اسْتُعْظِمَ عَلَى الْبُخَارِيِّ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ، لَكِنَّ الَّذِي قَوِيَ عِنْدِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِخُصُوصِهِ عِنْدَ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ جَمِيعًا ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ امْتِنَاعِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِنَ التَّحْدِيثِ بِالتَّفْسِيرِ أَنْ لَا يُحَدِّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابٍ آخَرَ مِنَ الْأَبْوَابِ أَوْ فِي الْمُذَاكَرَةِ ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَى الْبُخَارِيِّ ذَلِكَ مَعَ تَشَدُّدِهِ فِي شَرْطِ الِاتِّصَالِ وَاعْتِمَادِهِ غَالِبًا فِي الْعِلَلِ عَلَى عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ شَيْخِهِ وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ . وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُكْثِرْ مِنْ تَخْرِيجِ هَذِهِ النُّسْخَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْضِعَيْنِ هَذَا وَآخَرَ فِي النِّكَاحِ ، وَلَوْ كَانَ خَفِيَ عَلَيْهِ لَاسْتَكْثَرَ مِنْ إِخْرَاجِهَا لِأَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهَا عَلَى شَرْطِهِ . قَوْلُهُ : ( صَارَتِ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : كَانَتْ آلِهَةٌ تَعْبُدُهَا قَوْمُ نُوحٍ ثُمَّ عَبَدَتْهَا الْعَرَبُ بَعْدُ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا مَجُوسًا وَأَنَّهَا غَرِقَتْ فِي الطُّوفَانِ ، فَلَمَّا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْهَا أَخْرَجَهَا إِبْلِيسُ فَبَثَّهَا فِي الْأَرْضِ ، انْتَهَى .

وَقَوْلُهُ : كَانُوا مَجُوسًا ؛ غَلَطٌ ، فَإِنَّ الْمَجُوسِيَّةَ كَلِمَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ ، وَإِنْ كَانَ الْفُرْسُ يَدَّعُونَ خِلَافَ ذَلِكَ . وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي " التَّعْرِيفِ " أَنَّ يَغُوثَ هُوَ ابْنُ شِيثَ بْنِ آدَمَ فِيمَا قِيلَ ، وَكَذَلِكَ سُوَاعٌ وَمَا بَعْدَهُ ، وَكَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِدُعَائِهِمْ ، فَلَمَّا مَاتَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مَثَّلُوا صُورَتَهُ وتَمَسَّحُوا بِهَا إِلَى زَمَنِ مَهْلَائِيلَ فَعَبَدُوهَا بِتَدْرِيجِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ ، ثُمَّ صَارَتْ سُنَّةً فِي الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ سَرَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ ؟ مِنْ قِبَلِ الْهِنْدِ فَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا الْمَبْدَأَ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ بَعْدَ نُوحٍ ؟ أَمِ الشَّيْطَانُ أَلْهَمَ الْعَرَبَ ذَلِكَ ؟ انْتَهَى . وَمَا ذُكِرَه مِمَّا نَقَلَهُ تَلَقَّاهُ مِنْ " تَفْسِيرِ بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ عَلَى مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي ذَيْلِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ وَقَعَتْ إِلَى الْهِنْدِ فَسَمَّوْا بِهَا أَصْنَامَهُمْ ثُمَّ أَدْخَلَهَا إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَوْلَادَ آدَمَ لِصُلْبِهِ ، وَكَانَ وَدٌّ أَكْبَرَهُمْ وَأَبَرَّهُمْ بِهِ ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي " كِتَابِ مَكَّةَ " مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ : كَانَ لِآدَمَ خَمْسُ بَنِينَ فَسَمَّاهُمْ ، قَالَ : وَكَانُوا عُبَّادًا ، فَمَاتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَحَزِنُوا عَلَيْهِ ، فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فَصَوَّرَهُ لَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ لِلْآخَرِ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ ، وَفِيهَا : فَعَبَدُوهَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نُوحًا .

وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ الَّذِي صَوَّرَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ قَابِيلَ بْنِ آدَمَ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ : كَانَ لِعَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ رَئِيٌّ مِنَ الْجِنِّ ، فَأَتَاهُ فَقَالَ : أَجِبْ أَبَا ثُمَامَةَ ، وَادْخُلْ بِلَا مَلَامَةَ ، ثُمَّ ائْتِ سَيْفَ جُدَّةٍ ، تَجِدْ بِهَا أَصْنَامًا مُعَدَّةً ، ثُمَّ أَوْرِدْهَا تِهَامَةَ وَلَا تَهَبْ ، ثُمَّ ادْعُ الْعَرَبَ إِلَى عِبَادَتِهَا تُجَبْ . قَالَ : فَأَتَى عَمْرٌو سَاحِلَ جُدَّةَ فَوَجَدَ بِهَا وَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ، وَهِيَ الْأَصْنَامُ الَّتِي عُبِدَتْ عَلَى عَهْدِ نُوحٍ وَإِدْرِيسَ ثُمَّ إِنَّ الطُّوفَانَ طَرَحَهَا هُنَاكَ فَسَفَى عَلَيْهَا الرَّمْلُ ، فَاسْتَثَارَهَا عَمْرٌو وَخَرَجَ بِهَا إِلَى تِهَامَةَ ، وَحَضَرَ الْمَوْسِمَ فَدَعَا إِلَى عِبَادَتِهَا فَأُجِيبَ ، وَعَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ هُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ .

قَوْلُهُ : ( أَمَّا وَدٌّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ ) قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَ لِكَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ قُضَاعَةَ . قُلْتُ : وَبَرَةُ هُوَ ابْنُ تَغْلِبَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ ، وَدُومَةُ بِضَمِّ الدَّالِ ، والْجَنْدَلِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ مَدِينَةٌ مِنْ الشَّامِ مِمَّا يَلِي الْعِرَاقَ ، وَوَدٌّ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَقَرَأَهَا نَافِعٌ وَحْدَهُ بِضَمِّهَا . ( وَأَمَّا سُوَاعٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ ) زَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ ، بْنُ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ ؛ وَكَانُوا بِقُرْبِ مَكَّةَ .

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانَ سُوَاعٌ بِمَكَانٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ : رُهَاطٌ ؛ بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْهَاءِ ، مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ مِنْ جِهَةِ السَّاحِلِ . قَوْلُهُ : ( وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ ) فِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ : " فَكَانَتْ لِبَنِي غُطَيْفِ بْنِ مُرَادٍ " ، وَهُوَ ج٨ / ص٥٣٧غُطَيْفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاجِيَةَ بْنِ مُرَادٍ . وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : كَانَتْ أَنْعَمَ مِنْ طَيِّئٍ وَجُرَشُ بْنُ مَذْحِجٍ اتَّخَذُوا يَغُوثَ لِجُرَشٍ .

قَوْلُهُ : ( بِالْجُرُفِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ، وَلَهُ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : الْجُرُفَ ؛ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالرَّاءِ ، وَكَذَا فِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ . وَلِلنَّسَفِيِّ : بِالْجَوْنِ ؛ بِجِيمٍ ثُمَّ وَاوٍ ثُمَّ نُونٍ ، زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ : عِنْدَ سَبَأٍ . قَوْلُهُ : ( وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدانَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ هَمْدَانَ وَلِمُرَادِ بْنِ مَذْحِجٍ ، وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : كَانَتْ خَيْوَانُ بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ اتَّخَذُوا يَعُوقَ بِأَرْضِهِمْ .

قَوْلُهُ : ( وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ ) فِي مُرْسَلِ قَتَادَةَ : " لِذِي الْكَلَاعِ مِنْ حِمْيَرَ " ، زَادَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ : " اتَّخَذُوهُ بِأَرْضِ حِمْيَرَ " . قَوْلُهُ : ( وَنَسْرٌ ، أَسْمَاءُ قَوْمٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ ) كَذَا لَهُمْ ، وَسَقَطَ لَفْظُ " وَنَسْرٌ " لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ أَوْلَى ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ قَوْلَهُ " وَنَسْرٌ " غَلَطٌ ، وَكَذَا قَرَأْتُ بِخَطِّ الصَّدَفِيِّ فِي هَامِشِ نُسْخَتِهِ . ثُمَّ قَالَ هَذَا الشَّارِحُ : وَالصَّوَابُ وَهِيَ .

قُلْتُ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ : " وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ " قَالَ : " وَيُقَالُ : هَذِهِ أَسْمَاءُ قَوْمٍ صَالِحِينَ " وَهَذَا أَوْجَهُ الْكَلَامِ وَصَوَابُهُ . وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : مُحَصَّلُ مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْأَصْنَامِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ ، وَالثَّانِي أَنَّهَا كَانَتْ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ ، إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ . قُلْتُ : بَلْ مَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ ، وَقِصَّةُ الصَّالِحِينَ كَانَتْ مُبْتَدَأُ عِبَادَةِ قَوْمِ نُوحٍ هَذِهِ الْأَصْنَامَ ثُمَّ تَبِعَهُمْ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ .

قَوْلُهُ : ( فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ ) كَذَا لَهُمْ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ : " وَنُسِخَ الْعِلْمُ " ؛ أَيْ عِلْمُ تِلْكَ الصُّوَرِ بِخُصُوصِهَا . وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : أَوَّلُ مَا حَدَثَتِ الْأَصْنَامُ عَلَى عَهْدِ نُوحٍ ، وَكَانَتِ الْأَبْنَاءُ تَبَرُّ الْآبَاءَ ، فَمَاتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَزِعَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ ؛ فَاتَّخَذَ مِثَالًا عَلَى صُورَتِهِ فَكُلَّمَا اشْتَاقَ إِلَيْهِ نَظَرَهُ ، ثُمَّ مَاتَ فَفُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ حَتَّى تَتَابَعُوا عَلَى ذَلِكَ ، فَمَاتَ الْآبَاءُ ، فَقَالَ الْأَبْنَاءُ : مَا اتَّخَذَ آبَاؤُنَا هَذِهِ إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ آلِهَتَهُمْ ، فَعَبَدُوهَا . وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ قَالَ : كَانَ وَدٌّ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ ، وَسُوَاعٌ عَلَى صُورَةِ امْرَأَةٍ ، وَيَغُوثُ عَلَى صُورَةِ أَسَدٍ ، وَيَعُوقُ عَلَى صُورَةِ فَرَسٍ ، وَنَسْرٌ عَلَى صُورَةِ طَائِرٍ ، وَهَذَا شَاذٌّ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى صُورَةِ الْبَشَرِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآثَارِ فِي سَبَبِ عِبَادَتِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ج٨ / ص٥٣٨

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث