بَاب مَنْ قَالَ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الْحَسَنِ قال : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ قَالَ : حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ : زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا ، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا ، فَقُلْتُ لَهُ : زَوَّجْتُكَ وَأفرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا ، لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا ، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ ، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ فَقُلْتُ : الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو ) وَهُوَ النَّيْسَابُورِيُّ ، قَاضِيهَا يُكَنَّى أَبَا عَلِيٍّ ، وَاسْمُ أَبِي عَمْرٍو حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَاشِدٍ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ ) هُوَ ابْنُ طَهْمَانَ : وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ . قَوْلُهُ : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَيْ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ . وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي وَلِيِّ النِّكَاحِ أَنْ يُضَارَّ وَلِيَّتَهُ فَيَمْنَعَهَا مِنَ النِّكَاحِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ ) ، هَذَا صَرِيحٌ فِي رَفْعِ هَذَا الْحَدِيثِ وَوَصْلِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مُعَلَّقًا لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، وَمَوْصُولًا أَيْضًا لِعَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَبِصُورَةِ الْإِرْسَالِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، وَقَوِيَتْ رِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ بِوَصْلِهِ بِمُتَابَعَةِ عَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ عَلَى تَصْرِيحِ الْحَسَنِ بِقَوْلِهِ : حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ . قَوْلُهُ : ( زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي ) ، اسْمُهَا جُمَيْلٌ بِالْجِيمِ مُصَغَّرٌ بِنْتُ يَسَارٍ ، وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ مَاكُولَا ، وَسَمَّاهَا ابْنُ فَتْحُونَ كَذَلِكَ لَكِنْ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ وَسَيَأْتِي مُسْتَنَدُهُ ، وَقِيلَ : اسْمُهَا لَيْلَى حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ فِي مُبْهَمَاتِ الْقُرْآنِ وَتَبِعَهُ الْبَدْرِيُّ ، وَقِيلَ : فَاطِمَةُ وَقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَيَحْتَمِلُ التَّعَدُّدُ بِأَنْ يَكُونَ لَهَا اسْمَانِ وَلَقَبٌ أَوْ لَقَبَانِ وَاسْمٌ . قَوْلُهُ : ( مِنْ رَجُلٍ ) قِيلَ : هُوَ أَبُو الْبَدَّاحِ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيُّ ، هَكَذَا وَقَعَ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِإِسْمَاعِيلي الْقَاضِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ أَنَّ جُمَيْلَ بِنْتَ يَسَارٍ أُخْتَ مَعْقِلٍ ، كَانَتْ تَحْتَ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمٍ فَطَلَّقَهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا .
فَخَطَبَهَا ، وَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو مُوسَى فِي ذَيْلِ الصَّحَابَةِ ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا الثَّعْلَبِيُّ وَلَفْظُهُ : نَزَلَتْ فِي جُمَيْلَةَ بِنْتِ يَسَارٍ أُخْتِ مَعْقِلٍ ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْعَجْلَانِ ، وَاسْتَشْكَلَهُ الذُّهْلِيُّ بِأَنَّ الْبَدَّاحَ تَابِعِيٌّ عَلَى الصَّوَابِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا آخَرَ . وَجَزَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ الْبَدَّاحُ بْنُ عَاصِمٍ ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَمْرٍو ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ أَخُو الْبَدَّاحِ التَّابِعِيِّ . وَوَقَعَ لَنَا فِي كِتَابِ الْمَجَازِ لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ اسْمَ زَوْجِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ الْبَزَّارِ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ : فَأَتَانِي ابْنُ عَمٍّ لِي فَخَطَبَهَا مَعَ الْخُطَّابِ ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ مُزَنِيٌّ ، وَأَبُو الْبَدَّاحِ أَنْصَارِيٌّ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ لِأُمِّهِ أَوْ مِنَ الرَّضَاعَةِ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ) فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ : فَاصْطَحَبَا مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا لَهُ رَجْعَةٌ ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَخَطَبَهَا . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ يَخْطُبُهَا ) أَيْ مِنْ وَلِيِّهَا وَهُوَ أَخُوهَا ، كَمَا قَالَ أَوَّلًا : زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ . قَوْلُهُ : ( وَأَفْرَشْتُكَ ) ؛ أَيْ جَعَلْتُهَا لَكَ فِرَاشًا ، فِي رِوَايَةِ الثَّعْلَبِيِّ : وَأَفْرَشْتُكَ كَرِيمَتِي وَآثَرْتُكَ بِهَا عَلَى قَوْمِي .
وَهَذَا مِمَّا يُبْعِدُ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ . قَوْلُهُ : ( لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا ) فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ : لَا أُزَوِّجُكَ أَبَدًا ، زَادَ الثَّعْلَبِيُّ وَحَمْزَةُ آنَفَا وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ وَالْفَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ ) ، فِي رِوَايَةِ الثَّعْلَبِيِّ : وَكَانَ رَجُلَ صِدْقٍ قَالَ ابْنُ التِّينِ : أَيْ كَانَ جَيِّدًا .
وَهَذَا مِمَّا غَيَّرَتْهُ الْعَامَّةُ فَكَنَّوْا بِهِ عَمَّنْ لَا خَيْرَ فِيهِ كَذَا قَالَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ عِنْدَ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ قَالَ الْحَسَنُ : عَلِمَ اللَّهُ حَاجَةَ الرَّجُلِ إِلَى امْرَأَتِهِ ، وَحَاجَةَ الْمَرْأَةِ إِلَى زَوْجِهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ . قَوْلُهُ : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُ ظَاهِرِ الْخِطَابِ فِي السِّيَاقِ لِلْأَزْوَاجِ حَيْثُ وَقَعَ فِيهَا : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي بَقِيَّتِهَا : أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعَضْلَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَوْلِيَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ بَيَانُ الْعَضْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْأَوْلِيَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ فَيُسْتَدَلُّ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ .
قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ : الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ ) ؛ أَيْ أَعَادَهَا إِلَيْهِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ : فَقُلْتُ : الْآنَ أَقْبَلُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ مِنْ طَرِيقِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ : فَسَمِعَ ذَلِكَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ فَقَالَ : سَمْعًا لِرَبِّي وَطَاعَةً ، فَدَعَا زَوْجَهَا فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ .
وَمِنْ رِوَايَةِ الثَّعْلَبِيِّ : فَإِنِّي أُومِنُ بِاللَّهِ فَأَنْكَحَهَا إِيَّاهُ ، وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ فَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ قَالَ الثَّعْلَبِيُّ : ثُمَّ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ . وَعَنِ السُّدِّيِّ : نَزَلَتْ فِي جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَوْجِ بِنْتِ عَمِّهِ ، فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَطْلِيقَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُهُ فَأَبَى جَابِرٌ ، فَنَزَلَتْ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اخْتَلَفُوا فِي الْوَلِيِّ فَقَالَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ : الْأَوْلِيَاءُ فِي النِّكَاحِ هُمُ الْعَصَبَةُ ، وَلَيْسَ لِلْخَالِ وَلَا وَالِدِ الْأُمِّ وَلَا الْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ وِلَايَةٌ . وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ هُمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ ، وَاحْتَجَّ الْأَبْهَرِيُّ بِأَنَّ الَّذِي يَرِثُ الْوَلَاءَ هُمُ الْعَصَبَةُ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ قَالَ : فَذَلِكَ عُقْدَةُ النِّكَاحِ .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا مَاتَ الْأَبُ فَأَوْصَى رَجُلًا عَلَى أَوْلَادِهِ هَلْ يَكُونُ أَوْلَى مِنَ الْوَلِيِّ الْقَرِيبِ فِي عُقْدَةِ النِّكَاحِ أَوْ مِثْلِهِ ، أَوْ لَا وِلَايَةَ لَهُ ؟ فَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : الْوَصِيُّ أَوْلَى ، وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِأَنَّ الْأَبَ لَوْ جَعَلَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْوِلَايَةَ انْتَقَلَتْ بِالْمَوْتِ فَلَا يُقَاسُ بِحَالِ الْحَيَاةِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى ذَلِكَ وَقَالُوا : لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا أَصْلًا ، وَاحْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ ، وَمِنْ أَقْوَاهَا هَـذَا السَّبَبُ الْمَذْكُورُ فِي نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهِيَ أَصَرْحُ دَلِيلٍ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَلِيِّ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِعَضْلِهِ مَعْنًى ، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَى أَخِيهَا ، وَمَنْ كَانَ أَمْرُهُ إِلَيْهِ لَا يُقَالُ : إِنَّ غَيْرَهُ مَنَعَهُ مِنْهُ . وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةُ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ شَرِيفَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْوَلِيُّ أَصْلًا ، وَيَجُوزُ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا إِذَا تَزَوَّجَتْ كُفُؤًا ، وَاحْتَجَّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ فَإِنَّهَا تَسْتَقِلُّ بِهِ ، وَحَمْلُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ عَلَى الصَّغِيرَةِ وَخُصَّ بِهَذَا الْقِيَاس عُمُومُهَا ، وَهُوَ عَمَلٌ سَائِغٌ فِي الْأُصُولِ ، وَهُوَ جَوَازُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ ، لَكِنَّ حَدِيثَ مَعْقِلٍ الْمَذْكُورَ رَفَعَ هَذَا الْقِيَاسِ ، وَيَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ دُونَ غَيْرِهِ ؛ لَيَنْدَفِعَ عَنْ مُولِيَتِهِ الْعَارُ بِاخْتِيَارِ الْكُفْءِ ، وَانْفَصَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ بِالْتِزَامِهِمُ اشْتِرَاطَ الْوَلِيِّ ، وَلَكِنْ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ تَزْوِيجَهَا نَفْسَهَا ، وَيَتَوَقَّفُ ذَلِكَ إِجَازَةَ الْوَلِيِّ كَمَا قَالُوا فِي الْبَيْعِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ : يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْوَلِيِّ لَهَا فِي تَزْوِيجِ نَفْسِهَا . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِذْنَ الْوَلِيِّ لَا يَصِحُّ إِلَّا لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَنُوبُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا ، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي إِنْكَاحِ نَفْسِهَا صَارَتْ كَمَنْ أُذِنَ لَهَا فِي الْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهَا وَلَا يَصِحُّ .
وَفِي حَدِيثِ مَعْقِلٍ أَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا عَضَلَ لَا يُزَوِّجُ السُّلْطَانُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالرُّجُوعِ عَنِ الْعَضْلِ ، فَإِنْ أَجَابَ فَذَاكَ ، وَإِنْ أَصَرَّ زَوَّجَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .