حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْخَاطِبَ

بَاب إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْخَاطِبَ ، وَخَطَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ امْرَأَةً هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهُ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قَارِظٍ : أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، فَقَالَ : قَدْ زَوَّجْتُكِ وَقَالَ عَطَاءٌ : لِيُشْهِدْ أَنِّي قَدْ نَكَحْتُكِ أَوْ لِيَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا ، وَقَالَ سَهْلٌ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَهَبُ لَكَ نَفْسِي ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا 5131 - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَحْبِسُهَا ، فَنَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ ) ؛ أَيْ فِي النِّكَاحِ ( هُوَ الْخَاطِبُ ) أَيْ هَلْ يُزَوِّجُ نَفْسَهُ ، أَوْ يُحْتَاجُ إِلَى وَلِيٍّ آخَرَ ؟ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : ذَكَرَ فِي التَّرْجَمَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ مَعًا لِيَكِلَ الْأَمْرُ ذَلِكَ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ . كَذَا قَالَ ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَرْكِهِ الْجَزْمَ بِالْحُكْمِ ، لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ صَنِيعِهِ أَنَّهُ يَرَى الْجَوَازَ ، فَإِنَّ الْآثَارَ الَّتِي فِيهَا أَمْرُ الْوَلِيِّ غَيْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ لَيْسَ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِالْمَنْعِ مِنْ تَزْوِيجِهِ نَفْسَهُ .

وَقَدْ أَوْرَدَ فِي التَّرْجَمَةِ أَثَرَ عَطَاءٍ الدَّالَّ عَلَى الْجَوَازِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى عِنْدَهُ أَنْ لَا يَتَوَلَّى أَحَدٌ طَرَفَيِ الْعَقْدِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَاللَّيْثُ : يُزَوِّجُ الْوَلِيُّ نَفْسَهُ ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ . وَعَنْ مَالِكٍ لَوْ قَالَتِ الثَّيِّبُ لِوَلِيِّهَا : زَوِّجْنِي بِمَنْ رَأَيْتَ فَزَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ ، أَوْ مِمَّنِ اخْتَارَ لَزِمَهَا ذَلِكَ ، وَلَوْ لَمْ تَعْلَمْ عَيْنَ الزَّوْجِ .

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُزَوِّجُهُمَا السُّلْطَانُ أَوْ وَلِيٌّ آخَرُ مِثْلُهُ أَوْ أَقْعَدُ مِنْهُ . وَوَافَقَهُ زُفَرُ ، وَدَاوُدُ . وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْوِلَايَةَ شَرْطٌ فِي الْعَقْدِ ، فَلَا يَكُونُ النَّاكِحُ مُنْكِحًا كَمَا لَا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ .

قَوْلُهُ : ( وَخَطَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ امْرَأَةً هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا ، فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهُ ) هَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ وَكِيعٌ فِي مُصَنَّفِهِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ : أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ وَلِيُّهَا ، فَجَعَلَ أَمْرَهَا إِلَى رَجُلٍ الْمُغِيرَةُ أَوْلَى مِنْهُ فَزَوَّجَهُ ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ وَقَالَ فِيهِ : فَأَمَرَ أَبْعَدَ مِنْهُ فَزَوَّجَهُ ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ وَلَفْظُهُ : إِنَّ الْمُغِيرَةَ خَطَبَ بِنْتَ عَمِّهِ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ فَقَالَ : زَوِّجْنِيهَا ، فَقَالَ : مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ، أَنْتَ أَمِيرُ الْبَلَدِ وَابْنُ عَمِّهَا ، فَأَرْسَلَ الْمُغِيرَةُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ انْتَهَى . وَالْمُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ شُعْبَةَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُعَتِّبٍ مِنْ وَلَدِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ فَهِيَ بِنْتُ عَمِّهِ لَحًّا . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ هُوَ ابْنُ عَمِّهِمَا مَعًا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ جَدَّهُ هُوَ مَسْعُودٌ الْمَذْكُورُ .

وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ ثَقَفِيًّا أَيْضًا لَكِنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُمْ إِلَّا فِي جَدِّهِمُ الْأَعْلَى ثَقِيفٍ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ جُشَمَ بْنِ ثَقِيفٍ ، فَوَضُحَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : هُوَ أَوْلَى النَّاسِ ، وَعُرِفَ اسْمُ الرَّجُلِ الْمُبْهَمِ فِي الْأَثَرِ الْمُعَلَّقِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِأُمِّ حَكِيمِ بِنْتِ قَارِظٍ : أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، فَقَالَ : فَقَدْ تَزَوَّجْتُكِ ) وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ أُمَّ حَكِيمِ بِنْتَ قَارِظٍ قَالَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : إِنَّهُ قَدْ خَطَبَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ ، فَزَوِّجْنِي أَيُّهُمْ رَأَيْتَ . قَالَ : وَتَجْعَلِينَ ذَلِكَ إِلَيَّ ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ .

قَالَ : قَدْ تَزَوَّجْتُكِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ : فَجَازَ نِكَاحُهُ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أُمَّ حَكِيمٍ فِي النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَرْوِينَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَيْنَ عَنْ أَزْوَاجِهِ ، وَلَمْ يَزِدْ فِي التَّعْرِيفِ بِهَا عَلَى مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ ، وَذَكَرَهَا فِي تَسْمِيَةِ أَزْوَاجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي تَرْجَمَتِهِ فَنَسَبَهَا فَقَالَ : أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ قَارِظِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عُبَيْدٍ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَطَاءٌ : لِيَشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَكَحْتُكِ ، أَوْ لِيَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : امْرَأَةٌ خَطَبَهَا ابْنُ عَمٍّ لَهَا لَا رَجُلَ لَهَا غَيْرُهُ ، قَالَ : فَلْتَشْهَدْ أَنَّ فُلَانًا خَطَبَهَا ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ نَكَحْتُهُ ، أَوْ لِتَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَهْلٌ : قَالَتِ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَهَبُ لَكَ نَفْسِي ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْوَاهِبَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَابِ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ ، وَفِي بَابِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ وَغَيْرِهما ، وَوَصَلَهُ فِي الْبَابِ بِلَفْظٍ آخَرَ ، وَأَقْرَبُهَا إِلَى لَفْظِ هَذَا التَّعْلِيقِ رِوَايَةُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ : إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي - وَفِيهِ - فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ مِثْلَهُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ أَوْرَدَهُ مُخْتصَرًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي التَّفْسِيرِ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ : فَرَغِبَ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، أَوْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ فَيُزَوِّجَهُ ، وَبِهِ احْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا عَاتَبَ الْأَوْلِيَاءَ فِي تَزْوِيجِ مَنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ بِدُونِ سُنَّتِهَا مِنَ الصَّدَاقِ ، وَعَاتَبَهُمْ عَلَى تَرْكِ تَزْوِيجِ مَنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَصِحُّ مِنْهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ نَفْسِهِ ، إِذْ لَا يُعَاتِبُ أَحَدٌ عَلَى تَرْكِ مَا هُـوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ ، وَدَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَتَزَوَّجُهَا وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُقْسِطَ لَهَا فِي الصَّدَاقِ ، وَلَوْ كَانَتْ بَالِغًا لَمَا مَنَعَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ لَا أَمْرَ لَهَا فِي نَفْسِهَا . وَقَدْ أُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ بِذَلِكَ السَّفِيهَةُ فَلَا أَثَرَ لِرِضَاهَا بِدُونِ مَهْرٍ مِثْلُهَا كَالْبِكْرِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث