حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْوَصَاةِ بِالنِّسَاءِ

بَاب الْوَصَاةِ بِالنِّسَاءِ 5185 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ مَيْسَرَةَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ . 5186 - وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ ؛ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا . قَوْلُهُ ( بَابُ الْوَصَاةِ بِالنِّسَاءِ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَقْصُورٌ ؛ وَهِيَ لُغَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْوِصَايَةُ .

قَوْلُهُ ( عَنْ مَيْسَرَةَ ) هُوَ ابْنُ عَمَّارٍ الْأَشْجَعِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ الْأَشْجَعِيُّ سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّةَ بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ زَايٍ ثَقِيلَةٍ . قَوْلُهُ ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) الْحَدِيثَ ، هُمَا حَدِيثَانِ يَأْتِي شَرْحُ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ شَيْخِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَلَمْ يَذْكُرِ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ ، وَذَكَرَ بَدَلَهُ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَإِذَا شَهِدَ امْرُؤٌ فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُتْ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا أَحَادِيثُ كَانَتْ عِنْدَ حُسَيْنٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ زَائِدَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَرُبَّمَا جَمَعَ وَرُبَّمَا أَفْرَدَ ، وَرُبَّمَا اسْتَوْعَبَ وَرُبَّمَا اقْتَصَرَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مُقْتَصِرًا عَلَى الثَّانِي ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنِ ابْنِ يَعْلَى ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بِالْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ ، وَزَادَ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ قِرَى ضَيْفِهِ الْحَدِيثَ .

قَوْلُهُ ( فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ ) بِكَسْرِ الضَّادِ وَالْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَقَدْ تُسَكَّنُ ، وَكَأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ الْأَقْصَرِ الْأَيْسَرِ وَهُوَ نَائِمٌ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَعَزَاهُ لِلْفُقَهَاءِ أَوْ بَعْضِهِمْ فَكَانَ الْمَعْنَى أَنَّ النِّسَاءَ خُلِقْنَ مِنْ أَصْلٍ خُلِقَ مِنْ شَيْءٍ مُعْوَجٍّ ، وَهَذَا لَا يُخَالِفُ الْحَدِيثَ الْمَاضِيَ مِنْ تَشْبِيهِ الْمَرْأَةِ بِالضِّلْعِ ، بَلْ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا نُكْتَةُ التَّشْبِيهِ وَأَنَّهَا عَوْجَاءُ مِثْلُهُ لِكَوْنِ أَصْلِهَا مِنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ ( وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ ) ذَكَرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِمَعْنَى الْكَسْرِ ، لِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَمْرُهَا أَظْهَرُ فِي الْجِهَةِ الْعُلْيَا ، أَوْ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ أَعْوَجِ أَجْزَاءِ الضِّلْعِ مُبَالَغَةً فِي إِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لَهُنَّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِأَعْلَى الْمَرْأَةِ لِأَنَّ أَعْلَاهَا رَأْسُهَا ، وَفِيهِ لِسَانُهَا وَهُوَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهُ الْأَذَى ، وَاسْتَعْمَلَ أَعْوَجَ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ لِأَنَّهُ أَفْعَلَ لِلصِّفَةِ وَأَنَّهُ شَاذٌّ ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ عِنْدَ الِالْتِبَاسِ بِالصِّفَةِ فَإِذَا تَمَيَّزَ عَنْهُ بِالْقَرِينَةِ جَازَ الْبِنَاءُ . قَوْلُهُ ( فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ ) الضَّمِيرُ لِلضِّلْعِ لَا لِأَعْلَى الضِّلْعِ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهُ إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا وَالضَّمِيرُ أَيْضًا لِلضِّلْعِ وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِكَسْرِهِ الطَّلَاقَ ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا ، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا .

قَوْلُهُ ( وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُقِمْهُ ، وَقَوْلُهُ فَاسْتَوْصُوا أَيْ أُوصِيكُمْ بِهِنَّ خَيْرًا فَاقْبَلُوا وَصِيَّتِي فِيهِنَّ وَاعْمَلُوا بِهَا ، قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ . وَالْحَامِلُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ الِاسْتِيصَاءَ اسْتِفْعَالٌ ، وَظَاهِرُهُ طَلَبُ الْوَصِيَّةِ وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيهَاتٌ أُخَرُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ ( بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) كَأنَ فِيهِ رَمْزًا إِلَى التَّقْوِيمِ بِرِفْقٍ بِحَيْثُ لَا يُبَالِغُ فِيهِ فَيَكْسِرُ وَلَا يَتْرُكُهُ فَيَسْتَمِرُّ عَلَى عِوَجِهِ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِاتْبَاعِهِ بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْدَهُ : بَابُ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنْ لَا يَتْرُكَهَا عَلَى الِاعْوِجَاجِ إِذَا تَعَدَّتْ مَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ إِلَى تَعَاطِي الْمَعْصِيَةِ بِمُبَاشَرَتِهَا أَوْ تَرْكِ الْوَاجِبِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يَتْرُكَهَا عَلَى اعْوِجَاجِهَا فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ .

وَفِي الْحَدِيثِ النَّدْبُ إِلَى الْمُدَارَاةِ لِاسْتِمَالَةِ النُّفُوسِ وَتَأَلُّفِ الْقُلُوبِ . وَفِيهِ سِيَاسَةُ النِّسَاءِ بِأَخْذِ الْعَفْوِ مِنْهُنَّ وَالصَّبْرِ عَلَى عِوَجِهِنَّ ، وَأَنَّ مَنْ رَامَ تَقْوِيمَهُنَّ فَإِنَّهُ الِانْتِفَاعُ بِهِنَّ مَعَ أَنَّهُ لَا غِنَى لِلْإِنْسَانِ عَنِ امْرَأَةٍ يَسْكُنُ إِلَيْهَا وَيَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعَاشِهِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث