بَاب تُحِدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا
قَالَ حُمَيْدٌ : فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ : وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ : كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا ، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ - حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ - فَتَفْتَضُّ بِهِ ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً فَتَرْمِي بها ، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ . سُئِلَ مَالِكٌ : مَا تَفْتَضُّ بِهِ ؟ قَالَ : تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ حُمَيْدٌ ) هُوَ ابْنُ نَافِعٍ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَبْدُوءِ بِهِ .
قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ ) هِيَ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ ( وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ ؟ ) أَيْ : بَيِّنِي لِي الْمُرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي خُوطِبَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ . قَوْلُهُ : ( كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا إِلَخْ ) هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ تُسْنِدْهُ زَيْنَبُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مَرْفُوعًا كُلُّهُ لَكِنَّهُ بِاخْتِصَارٍ وَلَفْظُهُ : فَقَالَ : لَا تَكْتَحِلُ ، قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا - أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا - فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ ، فَلَا حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي إِدْرَاجَ رِوَايَةِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ فَلَا يَقْضِي عَلَى رِوَايَتِهِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ بِالِاحْتِمَالِ ، وَلَعَلَّ الْمَوْقُوفَ مَا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ مِنَ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ . وَالْحِفْشُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ فَسَّرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ : الْبَيْتُ الصَّغِيرُ ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : الْحِفْشُ : الْخُصُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْحِفْشُ : الْبَيْتُ الذَّلِيلُ ، الشَّعِثُ الْبِنَاءِ ، وَقِيلَ : هُوَ شَيْءٌ مِنْ خُوصٍ يُشْبِهُ الْقُفَّةَ تَجْمَعُ فِيهِ الْمُعْتَدَّةُ مَتَاعَهَا مِنْ غَزْلٍ أَوْ نَحْوِهِ ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْقِصَّةِ يَأْبَى هَذَا خُصُوصًا رِوَايَةَ شُعْبَةَ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَّائِيَّ : عَمَدَتْ إِلَى شَرِّ بَيْتٍ لَهَا فَجَلَسَتْ فِيهِ وَلَعَلَّ أَصْلَ الْحِفْش مَا ذَكَرَ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ الْحَقِيرِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ ، وَالْأَحْلَاسُ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ بِمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ حِلْسٍ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهُوَ الثَّوْبُ ، أَوِ الْكِسَاءُ الرَّقِيقُ ، يَكُونُ تَحْتَ الْبَرْذعَةِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ فِي أَيِّ اللَّفْظَيْنِ وَقَعَ وَصْفُ ثِيَابِهَا أَوْ وَصْفُ مَكَانِهَا ، وَقَدْ ذُكِرَا مَعًا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَمُرَّ بِهَا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : لَهَا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ ) بِالتَّنْوِينِ ( حِمَارٍ ) بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ عَلَى الْبَدَلِ ، وَقَوْلُهُ : أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ ، وَإِطْلَاقُ الدَّابَّةِ عَلَى مَا ذُكِرَ هُوَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الْعُرْفِيَّةِ .
قَوْلُهُ : ( فَتَفْتَضُّ ) بِفَاءٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ ثَقِيلَةٍ ، فَسَّرَهُ مَالِكٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا ، وَأَصْلُ الْفَضِّ : الْكَسْرُ ، أَيْ : تَكْسِرُ مَا كَانَتْ فِيهِ ، وَتَخْرُجُ مِنْهُ بِمَا تَفْعَلُهُ بِالدَّابَّةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ : تُقْبَصُ بِقَافِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ ، وَهِيَ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْقَبْصُ : الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَنَامِلِ ، قَالَ الْأَصْبِهَانِيُّ ، وَابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِسْرَاعِ ، أَيْ : تَذْهَبُ بِعَدْوٍ وَسُرْعَةٍ إِلَى مَنْزِلِ أَبَوَيْهَا ؟ لِكَثْرَةِ حَيَائِهَا لِقُبْحِ مَنْظَرِهَا ، أَوْ لِشِدَّةِ شَوْقِهَا إِلَى التَّزْوِيجِ لِبُعْدِ عَهْدِهَا بِهِ . وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهَا : بِهِ سَبَبِيَّةٌ ، وَالضَّبْطُ الْأَوَّلُ أَشْهَرُ .
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : سَأَلْتُ الْحِجَازِيِّينَ عَنِ الِافْتِضَاضِ ، فَذَكَرُوا أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ كَانَتْ لَا تَمَسُّ مَاءً ، وَلَا تُقَلِّمُ ظُفْرًا ، وَلَا تُزِيلُ شَعْرًا ، ثُمَّ تَخْرُجُ بَعْدَ الْحَوْلِ بِأَقْبَحِ مَنْظَرٍ ، ثُمَّ تَفْتَضُّ ، أَيْ : تَكْسِرُ مَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْعِدَّةِ بِطَائِرٍ تَمْسَحُ بِهِ قُبُلَهَا ، وَتَنْبِذُهُ ، فَلَا يَكَادُ يَعِيشُ بَعْدَمَا تَفْتَضُّ بِهِ . قُلْتُ : وَهَذَا لَا يُخَالِفُ تَفْسِيرَ مَالِكٍ ، لَكِنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْجِلْدَ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جِلْدُ الْقُبُلِ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَمْسَحُ بِيَدِهَا عَلَى الدَّابَّةِ وَعَلَى ظَهْرِهِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ تَمْسَحُ بِهِ ، ثُمَّ تَفْتَضُّ ، أَيْ : تَغْتَسِلُ ، وَالِافْتِضَاضُ : الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ ؛ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ ، وَإِرَادَةِ النَّقَاءِ حَتَّى تَصِيرَ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً كَالْفِضَّةِ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَخْفَشُ : مَعْنَاهُ تَتَنَظَّفُ فَتَنْتَقِي مِنَ الْوَسَخِ فَتُشْبِهُ الْفِضَّةَ فِي نَقَائِهَا وَبَيَاضِهَا ، وَالْغَرَضُ بِذَلِكَ الْإِشَارَةُ إِلَى إِهْلَاكِ مَا هـيَ فِيهِ ، وَمِنَ الرَّمْيِ الِانْفِصَالُ مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ . تَنْبِيهٌ : جَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : فَتَفْتَضُّ بِهِ لِلتَّعَدِّيَةِ ، أَوْ تَكُونَ زَائِدَةً ، أَيْ : تَفْتَضُّ الطَّائِرَ ، بِأَنْ تَكْسِرَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ ، انْتَهَى .
وَيَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ الِافْتِضَاضِ صَرِيحًا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا . قَوْلُهُ : ( فَتَرْمِي بِهَا ) فِي رِوَايَةِ مُطَرَّفٍ ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ مَالِكٍ : تَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ أَوِ الْإِبِلِ فَتَرْمِي بِهَا أَمَامَهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إِحْلَالًا لَهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ : فَتَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهَا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْآتِيَةِ : فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ رَمْيَهَا الْبَعْرَةَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُرُورِ الْكَلْبِ سَوَاءٌ طَالَ زَمَنُ انْتِظَارِ مُرُورِهِ أَمْ قَصُرَ ، وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ .
وَقِيلَ : تَرْمِي بِهَا مَنْ عَرَضَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ غَيْرِهِ تُرِي مَنْ حَضَرَهَا أَنَّ مُقَامَهَا حَوْلًا أَهْوَنُ عَلَيْهَا مِنْ بَعْرَةٍ تَرْمِي بِهَا كَلْبًا أَوْ غَيْرَهُ . وَقَالَ عِيَاضٌ : يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْكَلْبَ إِذَا مَرَّ افْتُضَّتْ بِهِ ثُمَّ رَمَتِ الْبَعْرَةَ . قُلْتُ : وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَافِظًا ؛ فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى الْجَمْعِ .
وَاخْتُلَفَ فِي الْمُرَادِ بِرَمْيِ الْبَعْرَةِ ، فَقِيلَ : هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا رَمَتِ الْعِدَّةَ رَمْيَ الْبَعْرَةِ ، وَقِيلَ : إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلَتْهُ مِنَ التَّرَبُّصِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ لِمَا انْقَضَى كَانَ عِنْدَهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَعْرَةِ الَّتِي رَمَتْهَا اسْتِحْقَارًا لَهُ وَتَعْظِيمًا لِحَقِّ زَوْجِهَا ، وَقِيلَ : بَلْ تَرْمِيهَا عَلَى سَبِيلِ التَّفَاؤُلِ بِعَدَمِ عَوْدِهَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ .