بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَقَوْلِهِ أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ
كِتَاب الْأَطْعِمَةِ 1 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ الآية وَقَوْلِهِ : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَقَوْلِهِ : كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ 5373 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَطْعِمُوا الْجَائِعَ ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ . قَالَ سُفْيَانُ : وَالْعَانِي : الْأَسِيرُ . ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾- كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ الْآيَةَ .
وَقَوْلُهُ : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَقَوْلُهُ : كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ : أَنْفِقُوا عَلَى وَفْقِ التِّلَاوَةِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ : كُلُوا بَدَلَ أَنْفِقُوا ، وَهَكَذَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي الْوَقْتِ ، وَفِي قَلِيلٍ مِنْ غَيْرِهَا وَعَلَيْهَا شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ ، وَأَنْكَرَهَا وَتَبِعَهُ مَنْ بَعْدَهُ ، حَتَّى زَعَمَ عِيَاضٌ أَنَّهَا كَذَلِكَ لِلْجَمِيعِ ، وَلَمْ أَرَهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَلَى وَفْقِ التِّلَاوَةِ كَمَا ذَكَرْتُ ، وَكَذَا فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَرْجَمَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَحْدَهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ ، فَقَالَ : بَابُ قَوْلِهِ : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ، كَذَا وَقَعَ عَلَى وَفْقِ التِّلَاوَةِ لِلْجَمِيعِ إِلَّا النَّسَفِيَّ ، وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنُ بَطَّالٍ أَيْضًا ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ ، وَزَعَمَ عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ لِلْجَمِيعِ : كُلُوا إِلَّا أَبَا ذَرٍّ ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي ، فَقَالَ : أَنْفِقُوا ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى الصَّوَابِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ حَيْثُ تَرْجَمَ : بَابُ صَدَقَةِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الرُّوَاةِ فِي ذَلِكَ ، وَيَحْسُنُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي أَنَّ التَّغْيِيرَ فِيمَا عَدَاهُ مِنَ النُّسَّاخِ . وَالطَّيِّبَاتُ جَمْعُ طَيِّبَةٍ ، وَهِيَ تُطْلَقُ عَلَى الْمُسْتَلَذِّ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ وَعَلَى النَّظِيفِ ، وَعَلَى مَا لَا أَذَى فِيهِ ، وَعَلَى الْحَلَالِ . فَمِنَ الْأَوَّلِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَهَذَا هُـوَ الرَّاجِحُ فِي تَفْسِيرِهَا ، إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْحَلَالَ لَمْ يَزِدِ الْجَوَابُ عَلَى السُّؤَالِ ، وَمِنَ الثَّانِي فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا وَمِنَ الثَّالِثِ : هَذَا يَوْمٌ طَيِّبٌ ، وَهَذِهِ لَيْلَةٌ طَيِّبَةٌ ، وَمِنَ الرَّابِعِ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي التَّرْجَمَةِ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِهَا فِي الزَّكَاةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتِّجَارَةِ الْحَلَالُ ، وَجَاءَ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْجَيِّدُ ؛ لِاقْتِرَانِهَا بِالنَّهْيِ عَنِ الْإِنْفَاقِ مِنَ الْخَبِيثِ وَالْمُرَادُ بِهِ الرَّدِيءُ ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ذَكَرَهُ فِي : بَابِ تَعْلِيقِ الْقِنْوِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، وَأَوْضَحُ مِنْهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ قَالَ : كُنَّا أَصْحَابَ نَخْلٍ ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالْقِنْوِ فَيُعَلِّقُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْخَيْرِ يَأْتِي بِالْقِنْوِ مِنَ الْحَشَفِ وَالشِّيصِ فَيُعَلِّقُهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ يَجِيءُ الرَّجُلُ بِصَالِحِ مَا عِنْدَهُ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بِنْ حُنَيْفٍ : فَكَانَ النَّاسُ يَتَيَمَّمُونَ شِرَارَ ثِمَارِهِمْ ثُمَّ يُخْرِجُونَهَا فِي الصَّدَقَةِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَلَيْسَ بَيْنَ تَفْسِيرِ الطَّيِّبِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالْحَلَالِ وَبِمَا يُسْتَلَذُّ مُنَافَاةٌ ، وَنَظِيرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَقَدْ جَعَلَهَا الشَّافِعِيُّ أَصْلًا فِي تَحْرِيمِ مَا تَسْتَخْبِثُهُ الْعَرَبُ ، مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ بِشَرْطٍ سَيَأْتِي بَيَانُهُ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ - حَيْثُ أَوْرَدَ هَذِهِ الْآيَاتِ - لَمَّحَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا وَقَالَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ الْحَدِيثَ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ ، وَهُوَ مِمَّنِ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِالِاحْتِجَاجِ بِهِ دُونَ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : يَهِمُ كَثِيرًا وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ يُخْطِئُ عَلَى الثِّقَاتِ ، وَقَالَ الْحَاكِمُ : عِيبَ عَلَى مُسْلِمٍ إِخْرَاجُهُ .
فَكَأَنَّ الْحَدِيثَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ اقْتَصَرَ عَلَى إِيرَادِهِ فِي التَّرْجَمَةِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ لَذِيذَ الطَّعَامِ وَاللَّذَّاتِ الْمُبَاحَةَ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِالْجُوعِ وَالشِّبَعِ .
الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى . قَوْلُهُ : ( أَطْعِمُوا الْجَائِعَ ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ ) الْحَدِيثَ تَقَدَّمَ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ : أَجِيبُوا الدَّاعِيَ بَدَلَ : أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَمَخْرَجُهُمَا وَاحِدٌ ، وَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْأَمْرُ هُنَا لِلنَّدَبِ ، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ . اهـ .
وَيُؤْخَذُ مِنَ الْأَمْرِ بِإِطْعَامِ الْجَائِعِ جَوَازُ الشِّبَعِ ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ قَبْلَ الشِّبَعِ فَصِفَةُ الْجُوعِ قَائِمَةٌ بِهِ ، وَالْأَمْرُ بِإِطْعَامِهِ مُسْتَمِرٌّ . قَوْلُهُ : ( وَفُكُّوا الْعَانِيَ ) أَيْ : خَلِّصُوا الْأَسِيرَ ، مِنْ فَكَكْتُ الشَّيْءَ فَانْفَكَّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ سُفْيَانُ : وَالْعَانِي : الْأَسِيرُ ) تَقَدَّمَ بَيَانُ مَنْ أَدْرَجَهُ فِي النِّكَاحِ ، وَقِيلَ لِلْأَسِيرِ : عَانٍ مَنْ عَنَا يَعْنُو إِذَا خَضَعَ .