بَاب لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
بَاب لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ - إِلَى قَوْلِهِ : - لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَالنِّهْدُ وَالاِجْتِمَاعُ عَلَى الطَّعَامِ 5384 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : سَمِعْتُ بُشَيْرَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ ، فَلَمَّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ - قَالَ يَحْيَى : وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى رَوْحَةٍ - دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ ، فَمَا أُتِيَ إِلَّا بِسَوِيقٍ ، فَلُكْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا ، فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . قَالَ سُفْيَانُ : سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَوْدًا وَبَدْءًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ إِلَى هُنَا لِلْأَكْثَرِ ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الصِّنْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : الْآيَةَ وَأَرَادَ بَقِيَّةَ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ ، لَا الَّتِي فِي سُورَةِ الْفَتْحِ ؛ لِأَنَّهَا الْمُنَاسِبَةُ لِأَبْوَابِ الْأَطْعِمَةِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ إِلَى قَوْلِهِ : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَكَذَا لِبَعْضِ رُوَاةِ الصَّحِيحِ .
قَوْلُهُ : ( وَالنِّهْدُ وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى الطَّعَامِ ) ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ ، وَالنِّهْدُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي أَوَّلِ الشَّرِكَةِ حَيْثُ قَالَ : بَابُ الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنِّهْدِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بَيَانُ حُكْمِهِ ، وَذَكَرَ فِيهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ وَفِيهِ : دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِسَوِيقٍ الْحَدِيثَ وَلَيْسَ هُوَ ظَاهِرًا فِي الْمُرَادِ مِنَ النِّهْدِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَا جِيءَ بِالسَّوِيقِ إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَكِنَّ مُنَاسَبَتَهُ لِأَصْلِ التَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ فِي اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى لَوْكِ السَّوِيقِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ أَعْمَى وَبَصِيرٍ وَبَيْنَ صَحِيحٍ وَمَرِيضٍ ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ : مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِحَدِيثِ سُوَيْدٍ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اجْتَمَعُوا لِلْأَكْلِ عُزِلَ الْأَعْمَى عَلَى حِدَةٍ ، وَالْأَعْرَجُ عَلَى حِدَةٍ ، وَالْمَرِيضُ عَلَى حِدَةٍ ؛ لِتَقْصِيرِهِمْ عَنْ أَكْلِ الْأَصِحَّاءِ ، فَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَتَفَضَّلُوا عَلَيْهِمْ ، وَهَذَا عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ : كَانَ الْأَعْمَى يَتَحَرَّجُ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامَ غَيْرِهِ لِجَعْلِهِ يَدَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، وَالْأَعْرَجُ كَذَلِكَ لِاتِّسَاعِهِ فِي مَوْضِعِ الْأَكْلِ ، وَالْمَرِيضُ لِرَائِحَتِهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَأَبَاحَ لَهُمُ الْأَكْلَ مَعَ غَيْرِهِمْ . وَفِي حَدِيثِ سُوَيْدٍ مَعْنَى الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِيمَا حَضَرَ مِنَ الزَّادِ سَوَاءً ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَكْلُهُمْ بِالسَّوَاءِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ سَوَّغَ لَهُمُ الشَّارِعُ ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، فَكَانَ مُبَاحًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ا هـ كَلَامُهُ .
وَقَدْ جَاءَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ أَثَرٌ آخَرُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : كَانَ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِالْأَعْمَى أَوِ الْأَعْرَجِ أَوِ الْمَرِيضِ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ أَوْ قَرِيبِهِ ، فَكَانَ الزَّمْنَى يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ : إِنَّمَا يَذْهَبُونَ بِنَا إِلَى بُيُوتِ غَيْرِهِمْ ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ رُخْصَةً لَهُمْ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مَوْضِعُ الْمُطَابَقَةِ مِنَ التَّرْجَمَةِ وَسَطُ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا وَهِيَ أَصْلٌ فِي جَوَازِ أَكْلِ الْمُخَارَجَةِ ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي التَّرْجَمَةِ النِّهْدَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .