بَاب الْخُبْزِ الْمُرَقَّقِ وَالْأَكْلِ عَلَى الْخِوَانِ وَالسُّفْرَةِ
بَاب الْخُبْزِ الْمُرَقَّقِ ، وَالْأَكْلِ عَلَى الْخِوَانِ وَالسُّفْرَةِ 5385 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ أَنَسٍ ، وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ ، فَقَالَ : مَا أَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا مُرَقَّقًا ، وَلَا شَاةً مَسْمُوطَةً حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْخُبْزِ الْمُرَقَّقِ وَالْأَكْلِ عَلَى الْخِوَانِ وَالسُّفْرَةِ ) أَمَّا الْخُبْزُ الْمُرَقَّقُ فَقَالَ عِيَاضٌ : قَوْلُهُ : مُرَقَّقًا أَيْ : مُلَيَّنًا مُحَسَّنًا ، كَخُبْزِ الْحَوَارِيِّ وَشَبَهِهِ ، وَالتَّرْقِيقُ : التَّلْيِينُ ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَنَاخِلُ . وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَقَّقُ الرَّقِيقَ الْمُوَسَّعَ ، اهـ .
وَهَذَا هُـوَ الْمُتَعَارَفُ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْأَثِيرِ قَالَ : الرِّقَاقُ : الرَّقِيقُ ، مِثْلُ طِوَالٍ وَطَوِيلٍ ، وَهُوَ الرَّغِيفُ الْوَاسِعُ الرَّقِيقُ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ : هُوَ السَّمِيدُ وَمَا يُصْنَعُ مِنْهُ مِنْ كَعْكٍ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : هُوَ الْخَفِيفُ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّقَاقِ وَهِيَ الْخَشَبَةُ الَّتِي يُرَقَّقُ بِهَا . وَأَمَّا الْخِوَانُ فَالْمَشْهُورُ فِيهِ كَسْرُ الْمُعْجَمَةِ ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ : إِخْوَانٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ ، وَسُئِلَ ثَعْلَبٌ : هَلْ يُسَمَّى الْخِوَانُ ؛ لِأَنَّهُ يُتَخَوَّنُ مَا عَلَيْهِ ؟ أَيْ : يُنْتَقَصُ ، فَقَالَ : مَا يَبْعُدُ .
قَالَ الْجَوَالِيقِيُّ : وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَخْوِنَةٍ فِي الْقِلَّةِ ، وَخُونٍ مَضْمُومِ الْأَوَّلِ فِي الْكَثْرَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْخِوَانُ : الْمَائِدَةُ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا طَعَامٌ ، وَأَمَّا السُّفْرَةُ فَاشْتُهِرَتْ لِمَا يُوضَعُ عَلَيْهَا الطَّعَامُ ، وَأَصْلُهَا الطَّعَامُ نَفْسُهُ . قَوْلُهُ ( : كُنَّا عِنْدَ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ خَبَّازٌ لَهُ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ : كُنَّا نَأْتِي أَنَسًا وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ ، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ : وَخِوَانُهُ مَوْضُوعٌ ، فَيَقُولُ : كُلُوا ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ رَاشِدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ قَالَ : كَانَ لِأَنَسٍ غُلَامٌ يَعْمَلُ لَهُ النَّقَانِقُ ، يَطْبُخُ لَهُ لَوْنَيْنِ طَعَامًا ، وَيَخْبِزُ لَهُ الْحُوَّارَى وَيَعْجِنُهُ بِالسَّمْنِ اهـ .
وَالْحُوَّارَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ : الْخَالِصُ الَّذِي يُنْخَلُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ . قَوْلُهُ : ( مَا أَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا مُرَقَّقًا وَلَا شَاةً مَسْمُوطَةً ) الْمَسْمُوطُ : الَّذِي أُزِيلَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ وَشُوِيَ بِجِلْدِهِ أَوْ يُطْبَخُ ، وَإِنَّمَا يُصْنَعُ ذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ السِّنِّ الطَّرِيِّ ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْمُتْرَفِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْمُبَادَرَةُ إِلَى ذَبْحِ مَا لَوْ بَقِيَ لَازْدَادَ ثَمَنُهُ . وَثَانِيهِمَا : أَنَّ الْمَسْلُوخَ يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ فِي اللُّبْسِ وَغَيْرِهِ وَالسَّمْطُ يُفْسِدُهُ .
وَقَدْ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى أَنَّ الْمَسْمُوطَ الْمَشْوِيُّ ، فَقَالَ مَا مُلَخَّصُهُ : يُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ : أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ ، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ : أَنَّهَا قَرَّبَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَنْبًا مَشْوِيًّا فَأَكَلَ مِنْهُ بِأَنْ يُقَالَ : مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُتَّفَقْ أَنْ تُسُمِّطَ لَهُ شَاةٌ بِكَمَالِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدِ احْتَزَّ مِنَ الْكَتِفِ مَرَّةً وَمِنَ الْجَنْبِ أُخْرَى ، وَذَلِكَ لَحْمٌ مَسْمُوطٌ . أَوْ يُقَالُ : إِنَّ أَنَسًا قَالَ : لَا أَعْلَمُ وَلَمْ يُقْطَعْ بِهِ ، وَمَنْ عَلِمَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَزِّ الْكَتِفِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ كَانَتْ مَسْمُوطَةً ، بَلْ إِنَّمَا حَزُّهَا لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ عَادَتُهَا غَالِبًا أَنَّهَا لَا تُنْضِجُ اللَّحْمَ فَاحْتِيجَ إِلَى الْحَزِّ ، قَالَ : وَلَعَلَّ ابْنُ بَطَّالٍ لَمَّا رَأَى الْبُخَارِيَّ تَرْجَمَ بَعْدَ هَذَا بَابُ شَاةٍ مَسْمُوطَةٍ ، وَالْكَتِفِ وَالْجَنْبِ ظَنَّ أَنَّ مَقْصُودَهُ إِثْبَاتُ أَنَّهُ أَكَلَ السَّمِيطَ .
قُلْتُ : وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا مِنْ كَوْنِهَا مَشْوِيَّةً وَاحْتَزَّ مِنْ كَتِفِهَا أَوْ جَنْبِهَا أَنْ تَكُونَ مَسْمُوطَةً ؛ فَإِنَّ شَيَّ الْمَسْلُوخِ أَكْثَرُ مِنْ شَيِّ الْمَسْمُوطِ ، لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَكَلَ الْكُرَاعَ وَهُوَ لَا يُؤْكَلُ إِلَّا مَسْمُوطًا . وَهَذَا لَا يَرُدُّ عَلَى أَنَسٍ فِي نَفْيِ رِوَايَةِ الشَّاةِ الْمَسْمُوطَةِ ، وَقَدْ وَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى نَفْيِ أَكْلِ الرُّقَاقِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ : زَارَ قَوْمَهُ فَأَتَوْهُ بِرُقَاقٍ فَبَكَى ، وَقَالَ : مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا بِعَيْنِهِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُ أَنَسٍ : مَا أَعْلَمُ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ نَفَى الْعِلْمَ وَأَرَادَ نَفْيَ الْمَعْلُومِ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ نَفْيِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ لَازِمِهِ ، وَإِنَّمَا صَحَّ هَذَا مِنْ أَنَسٍ لِطُولِ لُزُومِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَمِ مُفَارَقَتِهِ لَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ .