بَاب الْحَلْوَاءِ وَالْعَسَلِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الْفُدَيْكِ ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كُنْتُ أَلْزَمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشِبَعِ بَطْنِي ، حِينَ لَا آكُلُ الْخَمِيرَ ، وَلَا أَلْبَسُ الْحَرِيرَ ، وَلَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَلَا فُلَانَةُ ، وَأُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصْبَاءِ ، وَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ ، وَهِيَ مَعِي ، كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي . وَخَيْرُ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ، فَنَشْتَقُّهَا ، فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا . قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَيْبَةَ ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ الْحِزَامِيُّ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ الْمَدَنِيُّ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ ، وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَلَفْظُ أَبِي زِيَادَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْغَلَطِ الْمَحْضِ ، وَمَا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى مَوْضِعَيْنِ هَذَا أَحَدُهُمَا .
قَوْلُهُ ( ابْنُ أَبِي الْفُدَيْكِ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَأَكْثَرُ مَا يَرِدُ بِغَيْرِ أَلْفٍ وَلَامٍ . قَوْلُهُ ( كُنْتُ أَلْزَمُ ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَأَوَّلُهُ يَقُولُ النَّاسُ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ ( لِشِبَعِ بَطْنِي ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِشِبَعِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ ، فَإِنَّ الَّذِي بِالْبَاءِ يُشْعِرُ بِالْمُعَاوَضَةِ لَكِنَّ رِوَايَةَ اللَّامِ لَا تَنْفِيهَا .
قَوْلُهُ ( وَلَا أَلْبَسُ الْحَرِيرَ ) كَذَا هُـنَا لِلْجَمِيعِ . وَتَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ بِلَفْظِ الْحَبِيرِ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ الرَّاءِ الْأُولَى ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِرَاءَيْنِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ ، وَالْأَصِيلِيِّ ، وَعَبْدُوسٍ ، وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْحَمَوِيِّ وَكَذَا هُـوَ لِلنَّسَفِيِّ ، وَلِلْبَاقِينَ بِرَاءَيْنِ كَالَّذِي هُنَا ، وَرَجَّحَ عِيَاضٌ الرِّوَايَةَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَقَالَ : هُوَ الثَّوْبُ الْمُحَبَّرُ ، وَهُوَ الْمُزَيَّنُ الْمُلَوَّنُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّحْبِيرِ وَهُوَ التَّحْسِينُ ، وَقِيلَ الْحَبِيرُ ثَوْبُ وَشْيٍ مُخَطَّطٌ ، وَقِيلَ هُوَ الْجَدِيدُ . وَإِنَّمَا كَانَتْ رِوَايَةُ الْحَرِيرِ مَرْجُوحَةً لِأَنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّ أَبَا هُـرَيْرَةَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَفْعَلُهُ ، وَهُوَ كَانَ لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ لَا أَوَّلًا وَلَا آخِرًا ، بِخِلَافِ أَكْلِهِ الْخَمِيرَ وَلُبْسِهِ الْحَبِيرَ فَإِنَّهُ صَارَ يَفْعَلُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَجِدُهُ .
قَوْلُهُ ( وَلَا يَخْدِمُنِي فُلَانٌ وَفُلَانَةٌ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ هُوَ الَّذِي كَنَّى وَقَصَدَ الْإِبْهَامَ لِإِرَادَةِ التَّعْظِيمِ وَالتَّهْوِيلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمَّى مُعَيَّنًا وَكَنَّى عَنْهُ الرَّاوِي . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَجِيرٌ لِابْنِ عَفَّانَ وَبِنْتِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي وَعُقْبَةِ رِجْلِي أَسُوقُ بِهِمْ إِذَا ارْتَحَلُوا وَأَخْدُمُهُمْ إِذَا نَزَلُوا ، فَقَالَتْ لِي يَوْمًا ، لَتَرِدَنَّ حَافِيًا وَلَتَرْكَبَنَّ قَائِمًا ، فَزَوَّجَنِيهَا اللَّهُ تَعَالَى فَقُلْتُ لَهَا لَتَرِدِنَّ حَافِيَةً وَلَتَرْكَبِنَّ قَائِمَةً وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ ، وَهُوَ فِي آخِرِ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُـرَيْرَةَ يَقُولُ : نَشَأْتُ يَتِيمًا ، وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا ، كُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ الْحَدِيثَ .
قَوْلُهُ ( وَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ وَهِيَ مَعِي ) تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ فِي ذَلِكَ مَعَ عُمَرَ فِي أَوَائِلِ الْأَطْعِمَةِ ، وَقِصَّتُهُ فِي ذَلِكَ مَعَ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ . قَوْلُهُ ( وَخَيْرُ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرٌ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَانَ جَعْفَرٌ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَنِّيهِ أَبَا الْمَسَاكِينِ قُلْتُ : وَإِبْرَاهِيمُ الْمَخْزُومِيُّ هُوَ ابْنُ الْفَضْلِ وَيُقَالُ ابْنُ إِسْحَاقَ الْمَخْزُومِيُّ مَدَّنِيٌّ ضَعِيفٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَقَدْ أَوْرَدْتُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي الْمَنَاقِبِ عَنِ التِّرْمِذِيِّ وَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ أَيْضًا وَأَشَارَ إِلَى ضَعْفِ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْحَلْوَى تُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الْحُلْوِ ، وَلَمَّا كَانَتِ الْعُكَّةُ يَكُونُ فِيهَا غَالِبًا الْعَسَلُ وَرُبَّمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ نَاسَبَ التَّبْوِيبَ . قُلْتُ : إِذَا كَانَ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الْعَسَلُ طَابَقَ التَّرْجَمَةَ لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرِ الْحَلْوَى وَالْعَسَلِ مَعًا ، فَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَحَدُ رُكْنَيِ التَّرْجَمَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَشْتَمِلَ كُلُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ عَلَى جَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَةُ بَلْ يَكْفِي التَّوْزِيعُ ، وَإِطْلَاقُ الْحَلْوَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حُلْوٍ خِلَافُ الْعُرْفِ ، وَقَدْ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِخِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ .
قَوْلُهُ ( فَنَشْتَفهَا ) قَيَّدَهُ عِيَاضٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ ، وَرَجَّحَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ بِالْقَافِ لِأَنَّ مَعْنَى الَّذِي بِالْفَاءِ أَنْ يَشْرَبَ مَا فِي الْإِنَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّهُمْ لَعِقُوا مَا فِي الْعُكَّةِ بَعْدَ أَنْ قَطَعُوهَا لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ .